ملاذ القيادات الحانقة

تتحول القضية الجنوبية شيئاً فشيئاً إلى ملاذ للحانقين الذين يفقدون مناصبهم فينصبون أنفسهم ملّاكَا على الدولة هناك.

 

محافظ عدن الذي عينه الرئيس الشرعي ثم أقاله مؤخرًا، قام بإعلان مجلس انتقالي لإدارة الجنوب. الشيخ السلفي الذي عينه الرئيس قائدًا للحزام الأمني للعاصمة المؤقتة، ثم أقاله وأحاله للتحقيق، نائبًا للمجلس الانتقالي. وزير النقل في حكومة الوفاق الوطني بعد إقالته، كتب بأن مكانه ليس في الكراسي بل في مقدمة مواكب المجد الشعبي في الجنوب. الصحفي الذي درس بصنعاء وتحمس لشباب الثورة، صار مستشارًا للقيادات الجديدة. المذيعة التي عملت في القناة الرسمية في عهد صالح، وتأخرت مستحقاتها في وزارة الاعلام، هي الآن في بيروت تعمل كقائدة في الدولة الجنوبية، تصدر توجيهاتها من الاستوديو بحماسة.

 

أهلًا بكم في ثغر اليمن الباسم: عدن. حيث كثرت القيادات واحتارت المدينة، وإليكم بعض التفاصيل: عندما دلفت كلية الإعلام؛ شعرت بعقدة نقص لعدم معرفتي الشخصية بالمذيعين. الفهم الريفي الذي كان برأسي حتّم عليّ معرفتهم، للتباهي في القرية كلما طل وجه على الشاشة: أعرف هذا؟ وقتئذ بذلت أقصى ما أعرفه لأفتش عن المذيعين والمذيعات في الفيس بوك.

 

يومًا في القرية قلت: هذه كتبت لي تعليقًا على صورة في صفحتها.. كتبت اسمي. كانت ليلى ربيع تقرأ النشرات في عهد صالح، لها برامج في القناة الرسمية تطغى عليها اللهجة المصرية. قدّمت برنامجًا اسمه دردشة مع النجوم، الشعور الوطني يتصاعد نحو السماء بالأخذ والرد مع الفنانين، فنانون كبارًا وآخرون صغارًا، فنانات كبرن وأياديهن ترتعش حنينًا إلى الكمنجة، وصغيرات يقمن بأدوار ثانوية في درامانا الناشئة. كان الفنان محمد مرشد ناجي يتحدث عن تفاصيل من حياته، عن أمه، عن حفظه للقرآن، عن الأغنية الوطنية، ويغني: صنعاء الكروم يا.. موطن الصبايا.

 

انخطبت ليلى، أخذ فارسها الأنيق الملعقة ليلقمها المعكرونة المنسدلة مثل صدغ الحسناء، كانت الصورة مذهلة وباعثة على الحسد والشجاعة في آن، لننشر الصور مع حبيباتنا وهن يلقمننا العصيد ولو من مسافة بعيدة تقدر بطول عصا المحواش التي عليها اللقمة، من غير الملاعق بالطبع. هذه هي الصورة التي علقت عليها مستعينًا بالاستعارات والشاعرية. اللغة هي اللوحة التي سأجذب بها الإعلاميين والاعلاميات. يبدو أن اللهجة المصرية أغرتني بهذا الظن؛ إذ حسبت ليلى ستقودني إلى الجزيرة وليس إلى قناة اليمن، لذا هنأت وأشدت بالانفتاح الذي سأتماشى معه بالتدرج بدءًا بالتعليق الحر، لم يكن هناك أهل في العالم الافتراضي ولا حتى واحد من أبناء المنطقة، بل لم يكن بهذا الازدحام الذي هو عليه اليوم. تزوجت، أذاعت، مدحت الوطن، أنجبت، أيدت الثورة، تأرملت، لم تستلم مستحقاتها من التلفزيون. وأخيرًا وجدناها على قناة تبث من بيروت تدعو للانفصال. ترتدي كنزة بيضاء عليها علم الجنوب قبل الاستعمار، النجمة منطفأة بين الترائب. كنت أظن أن ليلى هي النجمة التي لم يدردش معها احد. لتسقط من دردشة مع النجوم إلى هذرمة على الهواء.

 

محطات الحياة الشخصية تؤثر على المبدأ وتجزؤه مثل الجبنة. الضرر الذي يلحق بالمصلحة الشخصية يقلب المواقف مثل الكباب على السفود. لم يكن لليلى حضور في القضية الجنوبية، ولم يكن اسم عيدروس الزبيدي ولا ناصر بن بريك على لائحة المناضلين. وفجأة قفز الكثير إلى الواجهة متجاوزين الكبار. لتتحول القضية الجنوبية والدعوة للانفصال، إلى ملاذ للحانقين والمنتفعين ومن يرغب في صناعة اسمه.

 

عيدروس، أقاله الرئيس الشرعي من منصب محافظ عدن، هذا المحافظ الذي مدح التحالف وأثنى على الرئيس، بعد إقالته يصدر بيانًا يقول فيه بأنه شكَل مجلسًا رئاسيًا للجنوب. برئاسته، والنائب شيخ سلفي عينه الرئيس قائدًا للحزام الأمني في عدن، وعندما أقاله أغلق الشيخ مصحفه والعلامة المرجعية عند: واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا. تفريخ القيادات باسم الجنوب لا يتوقف.

 

من السهل قلب الصحن وتقديم نفسك على أنك قيادي باسم الجنوب. صحفي شاب درس في صنعاء، وكان متحمسًا للثورة، فجأة صار ينشر صوره مع القيادات القديمة للحراك، تحول إلى أكبر ناشط حارس على القضية، وجد نفسه في الإمارات، ثم مراسًلا لإحدى القنوات الخليجية، بل ومستشارًا يملي توجيهاته على قيادات جديدة للحراك مستغلًا هيبتهم من الإعلام مثل عيدروس. كيف حدث ذلك؟ لا اعتراض على قدر الله.

 

ذات يوم، ومن مجلس نجل شقيق المخلوع، العميد يحيى صاحب منتدى الرقي والتقدم، انتشرت صورة حيرتني، لم استطع فهم الأوضاع التي تمر بها البلاد، بل والقضيتين الجنوبية وصعدة. في الصورة فادي نجل القيادي في الحراك الجنوبي باعوم إلى جوار يحيى صالح ومعهم الناشط الحوثي نزيه العماد. هل اجتمعوا على خير؟

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتابات

اضغط للمزيد

استفتاء