سايكس بيكو جديدة

من الواضح ان ارهاصات التغيرات العميقة والتاريخية في المنطقة؛ ستقلب تحالفات الدول وموازين القوى العابرة للحدود بشكل دراماتيكي. 

 

وإذ من الطبيعي أن تكون في إطار معادلة ذات حدين، فإنه لا ينبغي التعامل معها بعشوائية، لأنها ستحمل تداعيات مؤثرة وصادمة وغير متوقعة على كافة المستويات، خصوصاً السياسية والاقتصادية والعسكرية، كما ستنعش جملة من التناقضات بين مراكز القوى الاقليمية ومصالح مختلف الجماعات والتيارات الدائرة في فلكها.

 

  تلك التحولات التي انتجتها العديد من الظروف الموضوعية، ستقود كما تفيد المؤشرات المتسارعة واللامعقولة إلى إنتاج خارطة قوى جديدة للمنطقة تمتد من مصر إلى إيران فاليمن، مروراً بالخليج وتركيا وما بينهما سوريا والعراق في ظل اتفاق روسي امريكي.

 

الروس والامريكان أبرز وأهم الأطراف الإمبريالية المتناغمة الآن فيما بينها على خطوط تفاعلات وأدوار محددة ومحورية في خضم التحولات، غير انه لا يمكنهما تجاوز أهمية الإبقاء على هامش بريطاني للحركة في مجريات المشهد على اعتبارها الضالعة في الهيمنة التاريخية بالمنطقة وفك شيفرة أبرز الملفات الحساسة، كما لاتوازن روسي امريكي بالمنطقة دون مباركة بريطانية فتاريخها يحفل بالكثير من الحقائق لا الأوهام.

 

والأرجح سيكون هناك أيضاً هامش لبروز أدوار لكيانات سياسية محلية في عديد من الدول،  وكذا لجماعات ضغط جديدة ، على أن يتم ذلك في ظل عرقلة جماعات ودول مكرسة عن لعب أدوار أساسية في المستقبل بعد ان ترهقها وتؤدي إلى توترها مجمل التحولات التي تتشكل منذ فترة وتبرز تجلياتها حالياً حتى انها ستعجز عن استيعابها وتخطي أزماتها، ما سيقيد حركتها وتتجمد وتتعرض للنهش من الداخل قبل الخارج، لتدخل في مشاكل خطيرة قد تؤدي بها للإنقسام، الأمر الذي لن يعيد تموضعها كفاعل كما كانت وقد ترهلت بغياب الاستراتيجيا عن وعيها من ناحية أو بتفضيل بقائها في حالة صدام خاسرة مع الجميع من ناحية ثانية، مايعني انها ستكون وحيدة في النهاية مالم تبتكر مراجعات وتنازلات مفاجئة في سبيل الوصول الى القشة التي ستنجيها من تكالبات الغرق المحتم.

 

والشاهد ان تعقيدات تصورات الكثير من الدول والقوى لأولوياتها بالذات تلك القوى والدول التي ستخسر من  البقاء في عبء المصاعب وسذاجة الحيرة، أو ستغامر باجتراح تصلبات ستكون كلفتها أكثر من باهظة ستجد ذاتها رغماً عنها نهباً للتوجهات الجديدة الدؤوبة على الاحتواء ضمن حزمة من الوعود الداعمة والمطمئنة، ترغيباً وترهيباً، ما يتطلب منها إبراز مزاجها الإنقاذي المرن غير المضطرب، وصولاً لقبول تصحيح جملة من أخطائها التاريخية، بينما التطورات السياسية والميدانية في عموم الإقليم وعلى الساحة الدولية أيضاً هي  ماستجبرها عند مفترق الطرق على اتخاذ مواقف غير انتحارية تجاه عدد من القضايا الإقليمية وملفاتها الدراماتيكية المتشابكة مع  أجندات الكبار الذين لا يبدعون في شيء مثل ممارسة هوايتهم المفضلة في التلاعب بأحلام الشعوب بالتغيير،  وفي نفس الوقت يهندسون الوقائع لدوام هيمنتهم كما لإنضاج عمليات الإيقاع والتورط  لكل الدول والقوى التي تتجاوز الخطوط المرسومة.

 

  ثم إن رعاة "سايكس بيكو" القديمة مصرون على صناعة "سايكس بيكو" جديدة وليس ثمة شروط وظروف أنجع لتحقيق أمنياتهم سوى اضطرامات الواقع .. الواقع الذي يجب أن نراه كواقع ونتعامل معه بوعي بغض النظر عجبنا أو لم يعجبنا.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء