صاروخ مداه ثلاث سنوات حرب!

الحل للحد من قدرة جماعة الحوثيين على تطوير قدراتهم العسكرية ليس إغلاق المنافذ وإنما تقصير أمد الحرب، فالأسلحة يبدو أنها أيضاً تكبر وتتعاظم قدراتها مع مرور الأيام.


طالت الحرب لما يقارب ثلاث سنوات في بلد يمتلك شاطئ بطول 2500 كم على البحرين الأحمد والعربي فمن الطبيعي أن تتمكن إيران من تطوير القدرات العسكرية لجماعة الحوثيين ذراعها العسكري في اليمن، عبر استخدام شبكات تهريب السلاح الدولية التي لا يعيقها شيء عن الوصول لأهدافها.


بعد ثلاث سنوات من الحرب وصل الصاروخ إلى الرياض لأن الحوثيين ومن خلفهم إيران يعملون طوال الوقت مستغلين كل يوم وكل ساعة في تعزيز قدراتهم العسكرية ومحاولة فرض أنفسهم كقوة في جنوب الجزيرة العربية ليكونوا مستقبلاً ورقة ضغط تمنح إيران المزيد من الحضور المسلح.


بينما إدارة التحالف للحرب لم تكن بمستوى من الكفاءة والفاعلية يمكنها من تحقيق الهدف المعلن وغير المعلن من التدخل في اليمن في فترة زمنية معقولة كان يفترض أن لا تزيد عن عام.


ركز التحالف طيلة الفترة الماضية من عمر الحرب على القصف الجوي وهي عمليات ذات كلفة عالية، بينما شهدت الجبهات على الأرض ركوداً يمكن حتى لغير المختصين بالجانب العسكري إدراك أنه يؤثر سلباً على سير المعارك.


فبعد أن تمكن التحالف وبواسطة قوات يمنية على الأرض خلال السنة الأولى من الحرب من تحرير المحافظات الجنوبية ومارب والجوف ووصلت القوات إلى جبال نهم التي تبعد حوالي 30 كيلومتر عن العاصمة صنعاء من جهة الشرق فإن الجبهات بأكملها ومنذ منتصف 2016 لم تشهد أي تقدم يمكن أن يشكل فارقاً في المعادلة العسكرية.
وهنا يمكن الإشارة إلى أنه لا مشكلة في العتاد، فلدى التحالف من العتاد ما يكفي للسيطرة على الجزيرة العربية كلها، كما أنه لا مشكلة في العدد لأن هناك أيضاً قوة بشرية ضاربة تعد بالآلاف من المنضوين في الألوية العسكرية التي شكلتها الحكومة الشرعية في عدن ومارب وتعز وغيرها من الجبهات التي تم فتحها وبعضها طال عليها الأمد وتحولت إلى ساحات استنزاف لأكثر من طرف.


وإنما تكمن المشكلة في ضبابية الرؤية لدى التحالف الذي يكشف أداؤه على الأرض أنه لم يكن يرغب في حسم سريع قبل أن يتسنى له ترتيب الساحة اليمنية لضمان ما ستؤول إليه الأمور بعد إنهاء سيطرة جماعة الحوثيين.. كما أن اختلاف الأجندات بين أطراف التحالف العربي التي تقلص عددها من 13 دولة إلى دولتين (السعودية، والإمارات) مع حضور جزئي لقوات سودانية في جبهات محدودة، ومساعدة بحرية مصرية تقتصر على جوانب فنية لا تتعدى التفتيش والرقابة على الممرات المائية.


فبعد تحرير عدد من المحافظات جنوب وشرق اليمن استلمتها الإمارات التي بدأت تتصرف كقوة احتلال وتعمل بكل إمكاناتها لتقويض سلطة الحكومة الشرعية من خلال تمكين ومساندة كيانات "ما دون وطنية" وخصوصاً الجماعة التي تتبنى خيار الإنفصال أو شخصيات متطرفة لا تؤمن بالدولة بقدر ما تبدي ولاءها وانقيادها لقادة الإمارات تبعاً لقدرتهم على التمويل وحاجتهم لأطراف لديها مقاتلين على الأرض، وذهبت أبعد من ذلك لإنشاء وتقوية تشكيلات مسلحة لا تتبع ولا توالي الرئيس والحكومة الشرعية لدرجة أن الرئيس عبدربه منصور هادي وكثير من المسؤولين الذين يعينهم صاروا غير قادرين على الدخول إلى عدن أو ممارسة مهامهم، ولا يزال مبنى محافظة عدن تحت سيطرة مجاميع مسلحة تتبع عيدروس الزبيدي الذي شكل مجلساً انتقالياً يعمل بهدف انفصال جنوب اليمن ويحظى برعاية إماراتية كاملة.


وبينما تحولت المحافظات الجنوبية، التي يفترض أنه تم تحريرها من مليشيات الحوثي وصالح وعادت لسيطرة الدولة الشرعية، إلى نموذج سيء خيب الآمال التي علقها اليمنيون على التحالف العربي فإن السعودية التي تولت الإشراف على جبهات الشمال والغرب هي الأخرى لم يكن لديها خارطة واضحة للأعداء الذين تقاتلهم والحلفاء الذين تقاتل معهم من القوى السياسية والمجتمعية الموجودة على الأرض وبالتالي فإن حالة من التوجس واللايقين ظلت تخيم على أجواء المعركة ضد الإنقلابيين وكلما تقدمت القوات التابعة للحكومة الشرعية خطوة على الأرض برز السؤال لدى المعنيين (حين ننهي سيطرة الإنقلابيين على العاصمة وما حولها لمن ستؤول الأمور؟) وحمل الإعلام السعودي بين الوقت والآخر إشارات واضحة إلى أن الحليف الموثوق غير موجود، رغم وجود كتلة سياسية قوية ساندت الرئيس هادي من أول يوم لحكمه من ضمنها جزء كبير من حزب المؤتمر الذي استخدمه "صالح" بشكل سيء كحصان طروادة لإسقاط الدولة وتسليم مؤسساتها لجماعة الحوثيين.


آلاف الضربات الجوية وعشرات الآخطاء التي رافقت هذه العمليات هي الأخرى أتخمت الملف الحقوقي للحرب، بالإضافة إلى الأزمة الإنسانية التي تسببت فيها الحرب وكان يفترض أن يكون للتحالف رؤية واضحة للتعامل معها إلا أن كل هذه الملفات تحولت إلى عبء وأصبح العالم يتعامل مع ما يحدث في اليمن كقضية إنسانية حتى يشعرك المبعوث الأممي وهو يتحدث عن الأزمة الإنسانية في اليمن أن إعصاراً ضرب هذا البلد، وصار هذا الجانب يغطي على الجذر السياسي للمشكلة والمتمثل في الإنقلاب.


بعد ثلاث سنوات من الحرب مع الإنقلابيين وصلت صواريخ جماعة الحوثيين أو فلنقل صواريخ إيران إلى الرياض وهذا مؤشر سلبي للغاية، إلا أن معالجته ليس بردات فعل سريعة ومزيد من الغارات الجوية التي قد تزيد من عدد الضحايا المدنيين وإعلان إغلاق المنافذ.. وإنما بمراجعة استراتيجية الحرب وإلى أي مدى لا تزال تعمل في إطار الأهداف التي أعلنت عند بدء التدخل العسكري والمتمثلة في إعادة قدرة الحكومة الشرعية للسيطرة على البلاد، ويمكن إثبات ذلك من خلال إعادة الرئيس عبدربه منصور هادي وطاقمه إلى عدن وتمكين الحكومة الشرعية من السيطرة على المناطق التي يفترض أنها «محررة» والتوقف عن دعم وتشكيل مجاميع مسلحة خارج سيطرة الحكومة.


كما أن التدخل في بلد لا يقتصر على العمليات العسكرية وإنما إدارة الملف بكل جوانبه وفي مقدمته الجانب الإقتصادي ليستعيد الشعب الثقة بالأطراف التي تدخلت عسكرياً وأنها فعلاً تريد الحفاظ على البلد لا تدميره، فإعادة إنتاج وتصدير النفط وتشغيل الموانئ وفتح المطارات وتوحيد الأوعية الإيرادية ودعم العملة هذه كلها لا تقل أهمية عن تحرير مدن واستعادة محافظات لأنها تحافظ على مشروعية التدخل وتبقي خيط الثقة موجوداً ما سيدفع المواطنين في مناطق سيطرة الحوثي إلى التخلي عنه والتوقف عن القتال في صفه أملاً في إنقاذهم من الحالة المعيشية المزرية التي وصلوا إليها.


فلنراجع الحرب بدءاً من الأهداف المعلنة إلى جردة حساب بما تحقق من نتائج، وإلا فلنبحث معاً عن مخرج طوارئ لنخفف على هذا الشعب من المعاناة التي مر بها وننقذ ما يمكن إنقاذه.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء