الحنين البريطاني القديم للحديدة

ما هذه الحنية المفاجئة من بريطانيا على ميناء الحديدة؟

تتبنى بريطانيا موقفًا ضاغطًا على التحالف العربي وقوات الشرعية فيما يتعلق بتحرير الحديدة من مليشيات الحوثي. لنوقف الحرب تفاديًا لكارثة إنسانية يقولون، ثم يطالبون بتسليم الميناء إلى الأمم المتحدة.

يكتسي هذا المطلب بالمبرر الإنساني، وكأنه لا يوجد حصار حوثي على تعز ومنافذ مسدودة أمام مرضى السرطان وأصحاب الكلى التالفة التي تحتاج إلى غسيل، وكأن الإنسانية لن تحضر إلا أمام زرقة البحر.

أي مبادرة لإيقاف الحرب هي مبادرة جميلة وتستحق الالتفات، لكن التحاصص الإنساني يبدو كما لو كان منسلخًا من سايكس بيكو. بالشأن السوري فرنسا تتبنى المواقف الضاغطة وفي الشأن اليمني بريطانيا.

هنا لسنا واقفين في صف معركة تحرير الميناء إذا كانت الشرعية والتحالف سيديرانه كما يديران ميناء عدن! ولسنا ضد المعركة أيضًا خاصة إذا كانت ستقوض من سلطة المليشيا التي تفتك باليمنيين. نحن ضد الحنين إلى الماضي والعودة إلى أحلام الإمبريالية العظمى. انظروا إلى رطانة الجملة الأخيرة وكم هي فضفاضة عندما يكن الذهن محاطًا بالهواجس المستقاة من وقائع الماضي.

هل تحب بريطانيا الحديدة لله في الله؟

هذا الهاجس جعلني أفتش فهارس بعض الكتب لأجد معلومات، مهما كانت غريبة، إلا أنها تدل على قيمة البلد الذي لم يقدر أبناؤه قيمته.

في بداية القرن الماضي كان هناك صراع على الحديدة، بريطانيا والأدارسة من جهة، والأتراك والإمام يحيى من جهة أخرى، وقعت الحديدة تحت سيطرة بريطانيا، ورغم المفاوضات والمواجهات، سلمته للطرف الذي تدعمه: الأدراسة، وبعدها تم تسليم الحديدة إلى الإمام يحيى وقواته "أجداد الحوثيين" وبدون معركة.

هذه المعلومات مذكورة في كتاب اسمه: تاريخ اليمن المعاصر، لمجموعة من المؤلفين السوفيت.

ومن خلال هذه المعلومات تتبين الاستراتيجية البريطانية في اليمن عمومًا وفي الحديدة على وجه الخصوص. وتبين كم أن الوضع في اليمن متشابك ومعقد، كأن يتعارك الإمام مع الأتراك، ثم يقفون ضد الأدراسة الممولين من بريطانيا.

"في سنة 1915 وقّع الادريسي اتفاقيات مع بريطانيا نصت على دعمه بالمال والسلاح" توطدت علاقته بهم وفي مطلع 1917 "شنت القبائل التابعة للإدريسي هجوما على جنوب تهامة واستعادت من الأتراك ميناء اللحية" وفي السنوات الأخيرة من الحرب وبدعم من الأسطول البريطاني في البحر الأحمر سيطرت فرق الإدريسي على الجزء الشمالي من تهامة حتى ميناء الحديدة.

كان الإمام يحيى يريد الحديدة، ويضغط على الاستعمار البريطاني بالتمركز في لحج..

"بعض قوات الاتراك رفضت الاستسلام وانضمت إلى فرق الإمام يحيى فاتخذها البريطانيون ذريعة لاحتلال منطقة واسعة تقع شمال الخط الفاصل في تهامة وبذلك وقعت الحديدة تحت الرقابة الفعلية لبريطانيا"

كان هناك طامحين متنافسين، الأتراك والإمام يحيى، والانجليز والإدريسي، الأسر الإقطاعية تغذي مطامعها بتمويل الآخرين للعراك وسط اليمن..
تقوض الوجود التركي..

بريطانيا تتفاوض مع الإمام يحيى في أغسطس 1919 لمنح بريطانيا العظمى "الامتيازات الاقتصادية المؤدية إلى ضم اليمن ضمن النفوذ الاقتصادي السياسي والحربي لبريطانيا.. احدى قبائل باجل احتجزت العقيد هارولدف الذي كان ذاهبًا للتفاوض مع الإمام ومنعته من المرور واحتجزته كرهينة..

الصراع بين الاستعمار البريطاني والإمام يحيى على الميناء لم يتوقف، استمرت مشاورات سنتين دونما نتيجة..

"في يناير 1921 سلمت بريطانيا الحديدة إلى الأمير محمد الادريسي لتنقسم اليمن إلى منطقتين "الجبلية وتهامة" بين أسرتين اقطاعيتين تتنافسان لحكم اليمن: الأدارسة، وآل حميد الدين، هذا الانقسام أدى إلى انهيار الروابط التجارية والاجتماعية... حيث حلت المجاعة وبدأت المناطق الجبلية تعاني من اختفاء السلع الصناعية التي كانت تدخل إلى البلاد من خلال ميناء الحديدة".

انعكس الحصار الاقتصادي للسواحل والذي ضربته الامبريالية البريطانية وحلفاؤها على أوضاع الميناء نفسه..

في 27 مارس 1925 احتلت قوات الإمام مدينة الحديدة بدون معركة كما احتله الحوثيون تمامًا.

ما الذي دفعه أجداد الحوثيون للاستعمار البريطاني ليسكت، وما الذي يدفعه الحوثيون لبريطانيا لتصرخ؟

والله مالي علم.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية