أوروبا في قبضة الشعبويات وخطاب التحريض

اهتز العالم أجمع لخبر الحادثين الإرهابيين اللذين وقعا في مسجدين في أقصى الشرق في نيوزلاندا، في بلاد لا يسمع أحد عنها إلا ما هو ساحر وجميل ومطمئن.

تعيش المجتمعات الغربية على وقع ثنائيات حادة وشعبوية جارفة تغذت كثيراً مع صعود للرئيس ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. المركز الرأسمالي والليبرالي الذي أخذ على عاتقه مهمة رسولية في نشر الديمقراطية والتبشير بخصال الراسمالية والسوق الحرة وإن عبر الحروب وسحق حياة وتاريخ أمم وشعوب كما هو الحال في العراق.


عماد هذه الشعبويات هو التحريض على الآخر والإنكفاء والإختزال مع التشديد على استراتيجية مكافحة الإرهاب وتداخل الإرهاب بالإسلام في المخيلة الجمعية.


ومقابل الأزمة الاقتصادية وتفشي البطالة والمستقبل المجهول ينهض يمين متطرف في أوروبا ينهل هو الآخر من ذات النبع التحريضي دون وازع. مما يؤكد على أن مشروعية تقدمه المعنوية تستند إلى السلوك الإرهابي الذي تنفذه جماعات وأفراد إسلامويون يضربون في عمق المجتمعات منذ سنوات مخلفين صدمات نفسية كبيرة.

وقبل هذا فإن العالم الإسلامي هو الآخر يغص بالحروب والجماعات المتطرفة التي تقتل من أبناء جلدتها وشركاء الملة والدين أضعاف أضعاف ضحاياها من غير المسلمين.
ها نحن في لحظة ارتباك، وغياب رؤية، وظلام، وظلاميون من كل صنف وفي كل مكان.

بالمقابل، يتعمق التخبط وتتوزع الاتهامات في كل الإتجاهات، وتتكلس الشعوب، وتنمو ثقافة المظلومية واعتبارها مستهدفة، ويغيب العقل. انتشرت صورة في فرنسا تجمع أغلفة مجلات فرنسية عديدة اشتغلت على ملف معين وهو التحذير والتخويف من الهجرة ومن أسلمة المجتمع الفرنسي.

هي أعداد ظهرت على فترات مختلفة في سياق سياسي وثقافي معين، بعض وجوهه أشرنا إليها أعلاه. ومعظمها ردات فعل عمياء تجاه الأعمال الإرهابية وتكريس للشعبوية.
ظهور هذه الصورة في مواقع التواصل الإجتماعي هو شكل من أشكال النقد الذاتي في المجتمع والتنويه إلى الخطاب التحريضي الذي يتبناه اليمنين المتطرف في أوروبا وفِي فرنسا تحديداً.


بشكل آخر تقول هذه الصورة، هذا بعض ما جنيناه من وراء خطابنا غير المسؤول. والحقيقة أن الإرهاب منظر إن ظهر كسلوك أو توصيف هو محل خلاف واختلاف ويتم التلاعب به سياسيا إلا أن حقيقة العنف هي الثابتة.
في العالم الاسلامي، تباينت ردود الفعل وما تزال تكبر بين عاطفية غاضبة تعمم وتعزز من الكراهية واُخرى مصدومة، لأن الإرهاب لم يأت من إسلامويين كما هو الحال في كل مرة.


وعليه ينبغي عقلنة تناول حادث نيوزلاندا الإرهابي بحيث لا يصبح مواجهة بين عالمين دينيين؛ العالم الاسلامي والعالم المسيحي. وإنما مواجهة بين التطرّف والتعايش كما أن مكافحة خطاب الكراهية مسؤولية جماعية.

أظنها لحظة تاريخية للمتجمع الإسلامي لأن يخرج من دائرة نظرية المؤامرة وأخذ العالم المسيحي كله في كفة واحدة. كما أنها لحظة مناسبة لمراجعة مفاهيم الولاء والبراء ومفاهيم دار الكفر ودار الإسلام.

وكذلك تبني استراتيجيات جادة في مكافحة التطرّف ليس من خلال استقتال التطرّف السني بالتطرف الشيعي ولكن باعتماد الديمقراطية والحريات الشاملة والمواطنة وتحييد التدين من الحياة السياسية.


بالمقابل، ربما يعمل هذان الحادثان على إعادة موضعة قضايا الجدل في المجتمعات الغربية (والشرقية إذ لا يدري الواحد أين يضع نيوزلاندا أو استراليا) وتناول المواضيع الحقيقية ووضع حلول مناسبة للأزمات بدل الخطاب الشعبوي والتحريض والكراهية.

يعول الواحد منا على المجتمعات الديمقراطية باعتبارها تملك آليات تصحيح وتعديل مسار عبر النقاش والدراسات ويتحسر على المجتمعات الإسلامية التي تغيب فيها هذه الآليات التي تضمن الترشيد والعقلنة والتحول السلمي.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->