احتكار العنف

تضيع سلطة الأب، حين يتنازل عن مسؤوليته لأولاده، وتتحول الأسرة إلى شاهد عائلي فاشل حين يتعارك الأولاد ويأتي البعيدون ليستلموا منهم زمام سلطة العائلة.

كيف إذا كانت العائلة تقف على سيقان واهنة، ومحل مطمع الآخرين؟

كيف إذا كان أفرادها يتناحرون على تحاصص الوهن والضعف والعجز؟ أو لنقل: تقاسم بقايا القوة، الفتات منها، أليس ذلك تكديسًا للفوضى على السوق الواهنة ليجثو الجميع على الأرض، ليكون المتربص الخطر المستفيد الأبرز من هذا الشتات.

يعرف ماكس فيبر الدولة بأنها: الكيان الذي يحتكر ممارسة العنف المشروع، بحسب عارف حجاوي في برنامجه اللغة العالية، فإن كانت إمكانية استعمال العنف موجودة عند الدولة وعند غيرها داخل البلد، فالدولة سرعان ما تؤول إلى مجرد طرف في نزاع وتصبح دولة فاشلة!. لنصير أضحوكة في مسيرة بحثنا عمن يحتكر العنف في نطاق الشرعية..

الأحزمة الأمنية الممولة من الإمارات تُعنف، مليشيا المجلس الانتقالي تمارس العنف، جماعة بن بريك تعنف، وسجون لقيادي إماراتي تعذب. قوة مع طارق صالح، كتائب مع أبو العباس، والجهة الوحيدة التي تستدعي الشفقة هي الجهة التي تمثلها الدولة: الشرعية.
تتداعى الدولة إذا كثرت الأطراف، ويتحول البسطاء إلى مشفقين ومعزين على ممثلي الدولة المتضعضعة، لنفرح بيانات الإدانة ودعوات تهدئة النفس!

ما يقوم به التحالف العربي، مؤسف للغاية، والعمل على تحاصص بقايا الدولة بين الشرعية والمجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، هو إضعاف للدولة، وإن حفل بصيغ مختلفة من قبيل "توحيد الهدف في مواجهة المليشيا الحوثية المدعومة من إيران".
كان لدينا شرعية ممثلة بهادي، أضعفها الإنقلاب الحوثي، تألبت المكونات حولها لمواجهة المليشيا، والآن ومازالت الشرعية في مواجهة الانقلاب، يتم تمزيق قوتها بين المكونات في تحاصص يدعو للضحك.

أتذكر إحدى المقابلات مع عزمي بشارة، كانت قطر ما تزال ضمن التحالف العربي، ومما ذكره بشارة وقتئذ، أن الحل في اليمن هو تقوية الشرعية على الأرض، غير ذلك فإننا نحرر مساحات فتأتي بعض المكونات لمواجهة الشرعية، فتدب الفوضى والضعف، تتوزع قوة الشرعية حين تتشكل مكونات لتواجهها، وتضعف حين يبتكر التحالف حلولًا ترقيعية يبدو فيها كطرف في النزاع.

التقوية على الأرض تعنى تمركز القوة في يد سلطة واحدة، وتعني كذلك أن أي استعانة بحليف لابد أن تصب في مصلحتها، وذلك يعني اختفاء كل أجندات التحالف وتلاشي مطامعه، التخلي عن دعم فصائل تضعف الشرعية، إظهار القوة جلها في يد الشرعية، وليس التصرف بطرق مهينة مع من يستعين بك.

في وضعنا اليمني، التحالف نفسه تحول إلى طرف في نزاع، يقدحون في هادي، إماراتيون يتهمون الشرعية بالفساد، يذهبون إلى أبعد من ذلك: قصف الجيش الوطني، ودعم مكونات لا علاقة لها الشرعية.

هادي ليس ملاكًا، ولم تعد آمال الناس معلقة على الشرعية، غير أن نصرتها لتوحيد الهدف "في مواجهة الحوثيين" لن يتأتى بتلك الطرق، المتربص بفشل العائلة لديه خططه وله تمويله وله أياديه الممتدة إلى التحالف، يبني قوته من ضعف الآخرين، وحين انتهاء تحاصص بقايا القوة، لن يجد ما يواجهه وقد صار الجميع جاثياً لا تسعفه القوة لينهض، سيذهب إلى الحليف الذي تحول إلى طرف في الصراع.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->