الحوثي يتلقى هزيمة موجعة في ميدان غير عسكري

المتابع للحرب في اليمن منذ مارس 2015، يلاحظ كيف استعان الحوثيون بالملف الإنساني لتحقيق مكاسب سياسية من خلال توظيفه في أروقة المنظمات الأممية، والدولية الأخرى، وحتى في أروقة بعض المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة ودول الغرب.

لقد كرّس الحوثيون جهدا جبارا لاستثمار الملف الإنساني، وتصوير اليمن على أنها ضحية وحشية "التحالف"، الذي حرم اليمن من الغذاء والدواء وغيرها من الإمدادات.

لا بد من الاعتراف بأن الحوثي نجح حتى اليوم في إدارة المعركة الإنسانية باقتدار بالغ، مقابل تراخي وضعف من قبل الطرف الحكومي، عن توضيح الحقيقة، ونقلها مدعمة بالأدلة إلى أروقة تلك المنظمات التي أصدرت منذ بداية الحرب عشرات التقارير والبيانات المحذرة من تفاقم الوضع الإنساني في اليمن، مذيلةً إياها بالمطالبة بالوقف الفوري للحرب، كونها هي السبب في تدهور الحالة الإنسانية، بموجب التقارير الواردة لهم من جهة الحوثيين.

يمتلك الحوثيون لوبياً ناعماً في أروقة المنظمات الدولية، لديهم عشرات الناشطين الذين يمتلكون علاقات غير عادية في دول الغرب، فعلى سبيل المثال هناك ناشطة حوثية تعمل على تلميع الجماعة في الغرب وأمريكا، وتصل إلى الكونغرس الأمريكي لعرض المأساة اليمنية على المشرعين الأمريكيين، من وجهة النظر الحوثية طبعا.

كما لا بد من الإشارة إلى أن الحوثيين من خلال عناصر لهم في أمريكا وبعض دول الغرب، عملوا خلال الفترة السابقة على شراء ناشطين يمنيين لدفعهم لحضور وتنظيم فعاليات ضد التحالف، تعتمد على إظهار المأساة اليمنية على أنها نتيجة منطقية للحرب التي يشنها على اليمن.

وفي كل أدبيات الجماعة ولقاءاتها لا تنفك تطرح القضية الإنسانية، كنتيجة لحرب التحالف، والحصار الذي يدعون أنه يفرضه على اليمن، ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل حرص الحوثيون على تكريس المأساة الإنسانية في اليمن، عن سبق إصرار وترصد، ففي الوقت الذي أطلقت الأمم المتحدة طيلة الأعوام الثلاثة الماضية نداءات إنسانية لتمويل خطة الاحتياجات الإنسانية في اليمن، إلا أنها لم تُثمر عمليا، وبالرغم من إنفاق المنظمات التابعة للأمم المتحدة المليارات لمواجهة المجاعة وسوء التغذية، إلا أن ذلك لم يحد من المشكلة، بل ترواح الأزمة الإنسانية مكانها، إلم تتفاقم.

وكدليل على ذلك مجاعة "أسلم" الواقعة في محافظة حجة، التي يسطير عليها الحوثيون، والتي لا ينفك إعلام الجماعة عن الترويج لها، بالرغم من أنها بعيدة عن مناطق المواجهات، وبالرغم من أن أسبابها تراكمية، لكن السبب الأبرز في بقائها قائمة، هو تعمد الحوثيين لذلك، بهدف الإبقاء عليها كورقة للمزايدة في المزاد السياسي.

التقيت بالمخرجة الأردنية "نسرين الصبيحي"، والتي قامت مؤخرا بزيارة "أسلم"، حيث أكدت لي أنها خرجت من زيارتها بقناعة أن الحوثيين مسؤولون مسؤولية كاملة عن المجاعة هناك، مشيرة إلى أنها لم تلمس أي دور لسلطتهم في معالجة المجاعة هناك، كما أشارت إلى العلاقة المشبوهة بين الحوثيين والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، وهي العلاقة التي تساهم في تكريس المجاعة وعدم معالجتها، وما ينطبق على "أسلم"، ينطبق على الوضع في كامل مناطق سيطرة الحوثيين.

إن حجم المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى مناطق سيطرة الحوثيين، إما عبر ميناء الحديدة أو مطار صنعاء، أو عبر المنافذ الأخرى خلال السنوات الثلاث الماضية، يكفي لحل الأزمة الإنسانية بشكل شبه كلي، لكن لماذا لم يحدث ذلك؟

ببساطة لأن الحوثيين مستفيدين من ذلك من وجهين، الأول، أنهم مستفيدين من نهب المساعدات، وتوظيفها لصالح قياداتهم وعملياتهم العسكرية، والوجه الثاني، أنهم حريصين على الإبقاء على الأزمة الإنسانية لتوظيفها في المحافل الدولية، بهدف إيقاف الحرب، وإظهار التحالف كطرف أساسي في تدهور الأوضاع.

لكن لعبة الحوثيين لم تستمر طويلا، فقد جاءت تصريحات "برنامج الغذاء العالمي"، بمثابة الصاعقة على رؤوسهم، بعد أن كشف البرنامج عن عمليات فساد ونهب منظم يمارسه الحوثيون للإستيلاء على المساعدات.

البرنامج تحدث عن تلاعب من قبل المنظمات المحلية – التابعة للحوثيين- بالمساعدات، بالإضافة إلى حرمان الكثير من المستحقين، وتوزيع الحُصص المخصصة لهم، لصالح جماعة الحوثي، وعناصرها وعملياتها العسكرية.

تصريحات برنامج الغذاء العالمي أفقدت الحوثيين توازنهم، لتأتي التحقيقات التي نشرتها صحيفة "الواشنطن بوست"، ووكالة "أسوشيتد برس" الأمريكيتين، لتوجه صفعة قاسية للجماعة الإنقلابية.

ولعل هذا الإنكشاف الذي حدث مؤخراً فيما يتعلق بالملف الإنساني، بعد تصريحات البرنامج والتحقيقات الغربية، يمثل هزيمة مؤلمة للحوثيين، كونه كفيل بتغيير وجهة النظر الغربية والدولية إزاء الأزمة في اليمن، كما أنه سيجعلهم على الأقل يقلصون من اعتمادهم على الحوثيين كمصدر وحيد لنقل صورة ما يجري في اليمن.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->