تفاؤل وغياب ضمانات.. نتائج مشاورات السويد مهددة بمصير جولات تفاوض سابقة

تفاؤل وغياب ضمانات.. نتائج مشاورات السويد مهددة بمصير جولات تفاوض سابقة المبعوث الأممي في لقاء مع وفد الحكومة اليمنية لمشاورات السويد

خلافا لجولات مشاورات سابقة، توشك مشاورات السويد بين وفدي الحكومة الشرعية وجماعة الحوثيين على الانتهاء، بإحراز تقدم في بعض الملفات المطروحة، لكنها تظل مهددة بالفشل عند التنفيذ حتى وإن تجاوزت توقيع اتفاقات نظرية.

جولات سابقة تحكي سجلاً سيئاً للحوثيين في مسار التفاوض والتشاور والتملص من الاتفاقات، وكما يتعنت المتمردون الحوثيون في اشتراطاتهم مقابل حضور جولات المشاورات التي عقدت على مدى اربع سنوات، فإنهم يجدون دوماً سبيلاً للتخلي عن تنفيذ ما يخصهم من مخرجات المفاوضات. 

في سبتمبر الماضي كان الوفد الحكومي قد وصل جنيف مبكراً لحضور المشاورات التي رتب لها على مدى أشهر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفثت، وكانت مقررة في 7 سبتمبر، لكن وفد الحوثيين ماطل في الحضور أياماً، ليمتنع تماماً عن الالتحاق بالمشاورات مقدماً متلازمة مبررات غير ذات صلة بالعملية السياسية.

وعلى وقع ضغط القوات الحكومية والتحالف العربي على الحوثيين في جبهات عدة، مني الحوثيون فيها بانتكاسات متوالية، وأبرزها الحديدة وصعدة، اضطر الحوثيون للاستجابة لجهود المبعوث الأممي والالتحاق بالمشاورات، بعدما استوعب كل ملاحظاتهم للحضور، وبتنسيق معه ومع السويد أرسلت الكويت سفيرها إلى صنعاء لنقل الوفد الحوثي على متن طائرة كويتية، إلى ستوكهولم لحضور المشاورات.

تحضر المشاورات والحوارات بالنسبة للحوثيين مطلباً ضرورياً في حالتين، الأولى بعد تحقيق انجازات وانتصارات في مسيرتهم الانقلابية، وذلك بهدف فرض خياراتهم وإضفاء المشروعية عليها بالحوار السياسي، كما حصل في الحوارات السابقة التي رعاها المبعوث الأممي الأسبق جمال بنعمر، عقب اجتياح الحوثيين صنعاء.

والثانية عندما تضيق خياراتهم على الأرض بفعل الضغط العسكري المستمر، إذ يظهرون قدراً كبيراً من المرونة والمطالبة ببوادر حسن نوايا ووقف إطلاق النار، بما يمكنهم من التقاط الأنفاس وترتيب صفوفهم، والاستعداد للحرب، وهذا ما يجري في الوقت الحالي.

ففي الوقت الذي يعلن في مقر انعقاد المشاورات في منطقة ريمبو بضواحي ستوكهولم عن تقدم في ملف تبادل الأسرى، يكثف الحوثيون من اختطاف عشرات الأشخاص في مناطق نفوذهم بتهمة موالاة الحكومة.

دأب الحوثيون على مدى سنوات على تصنيف كثير من المعارضين الذين تعتقلهم الجماعة كأسرى حرب، وبالفعل بادلت المئات منهم ضمن صفقات تبادل الأسرى، وهذه حالات موثقة، فيما تبقي أسرى الجبهات بعيداً عن صفقات التبادل الداخلية، لتعزز رصيدها من الأسرى من أفراد القوات الحكومية.

منتصف يونيو 2015، استضافت جنيف جولة المشاورات الأولى، بعد أقل من ثلاثة أشهر على تدخل التحالف العربي لدعم الشرعية لإسناد المقاومة الشعبية ووضع حد لتمدد الحوثيين.. أربعة أيام أمضاها الوفد المفاوض الحوثي هناك دون أن يتم بحث إجراءات بناء الثقة، بعدما تصلب عند مطلب واحد، رفض الحوار مع الحكومة الشرعية ومتمسكاً بالحوار مع الرياض التي تقود التحالف العربي، لاظهار أن لا مشكلة في الداخل، ولا أطراف للحوار معها.

خرجت تلك الجولة بنتيجة صفرية، لتلتئم سريعاً جولة جنيف الثانية، في 15 ديسمبر 2015 في مدينة بييل السويسرية، مع إعلان هدنة عسكرية.. استغرقت تلك المشاورات أياماً دون أن تفلح في تحقيق نجاح يستحق الإشارة، بعدما تسيد التعنت والمماطلة مواقف الحوثيين، كالعادة.

وفي 21 إبريل 2016، انطلقت أطول فترة مشاورات في دولة الكويت، استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر، تأخر الحوثيون كالعادة ثلاثة أيام عن موعد افتتاحها بدعوى عدم الإلتزام بالهدنة، في وقت سجلت تقارير محايدة، خرقهم للهدنة في أكثر من جبهة.. ورغم أن الكويت سعت لتوفير الأجواء الملائمة للمشاورات، وقدمت التسهيلات اللازمة، وتدخل أمير الكويت عدة مرات ليلتقي وفدي الطرفين عندما تتوقف المباحثات، ويحثها على تقديم تنازلات لمصلحة اليمن، ويعيدها مجدداً إلى الطاولة بدفعة قوية.

لكن التفاهمات التي كانت في عدة محطات على وشك النجاز اصطدمت بفقدان الحوثيين ووفدهم المفاوض، وربما قيادتهم في صنعاء لسلطة اتخاذ القرار، إذ كانوا يعودون في اليوم التالي ليعلنوا تراجعهم عن الاتفاق.

دبلوماسي خليجي رفيع المستوى كان قريباً من طاولة المشاورات، وعمل كأحد ميسريها، أبلغ المصدرأونلاين أنه في غير مرة كانت التفاهمات تصل النهاية، وتوشك على تحديد موعد لإعلان الاتفاق والتوقيع عليه، لكن يتفاجأ الجميع بالوفد الحوثي يأتي في اليوم التالي ليعيد الأمور إلى نقطة الصفر.. يضيف: حدث ذلك أكثر من مرة.

منتصف يوليو 2016 أمهلت وزارة خارجية البلد المضياف الذي بذل كل الجهود لإنجاح المشاورات، الوفود المشاركة مدة اسبوعين كحد أقصى لانجاز ما تبقى من الاتفاق والتوقيع عليه، وعدى ذلك، عليهم أن ينهوا المشاورات ويغادروا البلاد، وهو ما حصل في 31 يوليو.

في فبراير الماضي، كان اسماعيل ولد الشيخ أحمد، المبعوث الأممي السابق، يقدم إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي في نهاية فترة عمله كمبعوث أممي إلى اليمن.. وللمرة الأولى، أكد ما تحدث به الدبلوماسي الخليجي للمصدرأونلاين "لقد انجزنا الاتفاق في الكويت، ولم يكن ينقصه سوى التوقيع، لكن الحوثيين تراجعوا في اللحظات الأخيرة وأفشلوا الإتفاق".

وأمس أكد ذات الأمر مجدداً وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الحمد الصباح، إذ أبدى استعداد بلاده لاستضافة مراسم التوقيع على اتفاق ينهي الحرب في اليمن في حال التوصل إلى تسوية.. وأضاف بأن بلاده «على أتم الاستعداد للوقوف مع أشقائنا في اليمن، في أي وقت يرون أنه مناسب للانتهاء من الحرب، والوصول إلى سلم، والتوقيع على الاتفاق، الذي نأمل أن يكون في الكويت».

ولم ينس الوزير الكويتي الإشارة إلى تجربه بلاده المريرة مع مشاورات المئة يوم: «الكويت استضافت المشاورات اليمنية لمدة 100 يوم، وكنا نأمل أن نستفيد من طول هذه المدة للتوقيع على ما تم التوصل إليه من حل شامل، ونعتقد أنه ليس هناك بديل عن الحل السياسي لإنهاء الأزمة اليمنية».

ولم يختلف تصريح الوزير الكويتي عن تصريحات سابقة لوزارته عند انتهاء جولة الكويت، إذ علقت على الحديث عن استضافة الدولة لمشاورات أو مفاوضات جديدة، بالإشارة لاستعدادها لاستضافة مراسيم التوقيع على الاتفاق، أما استضافة مشاورات جديدة فصبرها وخبرتها لا تحتمل اسبوعاً أو شهراً اضافياً، بعدما أدركت طبيعة المفاوض الحوثي، الذي يوافق على الاتفاق في المساء ويصبح على رفضه كلياً دونما احترام للرعاة والمستضيفين، الذين تدخلوا على أعلى المستويات لدعم المشاورات.

ولا يبدو أن حظوظ مشاورات السلام في السويد ستكون أكثر من سابقتها في الكويت، والتي وصلت مستويات متقدمة في التفاهم على إطار الحل الشامل ووضع اللمسات النهائية لاتفاق السلام، فيما لم يتجاوز سقف مشاورات ريمبو ملفات إجراءات بناء الثقة دون الحل السياسي، بحثاً عن اختراق في جدار القطيعة المتسع منذ مشاورات الكويت.

ورغم التقدم الذي يروج له في ملفات الأسرى ومطار صنعاء، وهما الملفان اللذان يحظيان باهتمام الحوثيين، واتساع الهوة في موضوع تسليم الحديدة ومينائها، وحصار تعز، وضعف حظوظ ملف الاقتصاد والبنك المركزي، وإطار المفاوضات المقبلة، إلا أن غياب آلية التنفيذ العاجل، ووجود ثغرات كبيرة في تفاصيل التفاهمات، كالإكتفاء بتبادل كشوفات الأسرى والمعتقلين دون إقرارها واعتمادها والتأكد منها وقبول الأطراف بها، وتأجيل التنفيذ لأسابيع، والاختلاف حول اجراءات فتح مطار صنعاء، وبقية التفاصيل الأخرى التي تحمل تأويلات متباينة، ترجح ارتفاع حظوظ الفشل في التنفيذ.

وفوق كل ذلك، لا يوجد أية ضمانات حتى اللحظة، لتنفيذ تلك التفاهمات المليئة بالفخاخ، وفقاً لتصريحات مسؤولين في الأمم المتحدة، ما يجعل النجاح المروج له في ريمبو مجرد تفاؤل بلا أفق، وليس له مقومات تدعم حظوظه في النفاذ على الأرض، وضمانات تحول دون نكوص الحوثيين عن التزاماتهم كما فعلوا في جولات سابقة انتهت بمطالب مراهقة، أو بتراجع معيب بعد إقرار التفاهمات والاتفاقات، بما فيها تلك التي كانت تفرضها الجماعة كأمر واقع وبقوة السلاح، وفقاً لمصالحها فقط، فكيف ستنفذ اتفاقاً يلبي بعضاَ من مصالح خصومها حتى وإن تضمن جزءاً كبيراً من مصالحها.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->