حجر صحي برعاية حوثية!

على الرغم من أن منطقة حوض الأشرف محررة منذ أربع سنوات، فإن الحارة التي نسكنها لا تزال خارج النطاق المتعافي لمدينة تعز، حيث لا سوق في الجوار ولا مدرسة ولا مسجد ولا فندق ولا مطعم ولا شيء حيوي يوحي بأننا نتواجد في المدينة، على بعد مائتي متر على الأكثر، من قلبها.

ما لا يحسب له حساب من المسافة في الزمن العادي، يحسب له ألف حساب في زمن الحوثيين، وتصبح الخطوة الواحدة مخاطرة كبيرة تقتضي تركيزا مكثفا وانكماشا جسديا على طريقة السلحفاة، وربما نطق الشهادتين.

قبل أشهر مثلا، غفل بعض المدنيين في حي مجاور عن المدفعية الحوثية المرابطة فوق رؤوسنا، واحتشدوا لاستلام الإغاثة... دفعوا ثمن ذلك أربعة شهداء.

نحن خمسة شباب، نتشارك منزلا نزح عنه أهله بداية الحرب، تحيط بنا من ثلاث جهات عشرات المباني المهجورة، يتألف أصغرها من طبقتين، ونجد أنفسنا وحيدين أمام مهمة صعبة تتمثل بإحياء هذا الكم الهائل والصامت من الكتل الإسمنتية، ولا يعيننا في ذلك سوى الضجيج الوحشي المشحون بالوعيد والعنتريات والذي تضخه مكبرات صوت خاصة بالحوثيين من شرق المدينة، بالإضافة إلى الأعيرة النارية التي تزعق كل ساعة مثل مبنى يتداعى على مهل.

ننام معظم النهار خصوصا بعد تعليق الدراسة، ويبدأ يومنا متأخرا جدا عن الناس الذين يسكنون شارع جمال وبير باشا والتحرير الأسفل، وذلك لأننا لا نحصل دائما على فرصة النوم ليلا، إن لم يكن بسبب الزوامل و الطلقات والقذائف الحوثية، فبسبب ما اكتسبناه من عادة السهر بفعل إدمان الشاشات ومراقبة مصير بلدنا الذي دخل منذ سنوات في المغارة الحوثية.

نادرا ما نجتمع الخمسة تحت سقف غرفة واحدة، والقليل الذي نحتاجه من السوق عادة يتكفل أحدنا بجلبه مرة واحدة، وبذلك يكفي البقية عناء الخروج إلى الأماكن العامة والاحتكاك بالأفراد والبضائع.

بعد إغلاق الحوثيين لطريق "الأقروض" بذريعة الحجر الصحي لمكافحة فايرس كورونا انقطع المنفذ الوحيد الذي كان يأتينا منه زوار من داخل القرية، وبهذا نزعوا منا مناسبة مهمة ونادرة للمصافحة.

لا زوار ولا زملاء ولا معارف جدد في متناول اليد إذن، وهذا القناص الحوثي على بعد عدة أمتار لا يبدو أنه تعلم المصافحة بغير الرصاص.

التحدي الأصعب لهذا الحجر الصحي الذي يرعاه لنا الحوثيون هو فيما إذا قرر أحدنا السفر لزيارة أهله في الريف، لكن بقليل من التأمل لا يبدو ذلك وكأنه مخالفة واضحة لقواعد السلام من الفايروس.

تقتضي العودة إلى القرية التحرك في غشاوة الفجر قبل استيقاظ المدينة وازدحام الحركة، فالطريق مغلق كما هو معلوم منذ سنوات، والمنافذ المتاحة يستهلك أسهلها نصف يوم من الصعود والهبوط والتسلق والانحدار. إذا حدث وأن علق بك الفايروس أثناء الرحلة فإن الشمس الحارقة كفيلة بأن تكتب له مصيرا مشابها لمصير أبطال غسان كنفاني في "رجال في الشمس" .



* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->