عجز الكبار..هل غدت بريطانيا وجهاً لوجه مع الجماعة الحوثية؟

 يتحرك في هذه الأيام وزير الخارجية البريطاني السيد جيرمي هنت بكثافة في منطقة الجزيرة العربية لإنقاذ اتفاق ستوكهولم الخاص بالحديدة بعد تجاوز الاتفاق التزمينات الضيقة الخاصة بتنفيذه دون احراز أي تقدم.


في سلطنة عمان التقي يوم الجمعة معالي الوزير الناطق الرسمي ورئيس الوفد الحوثي في جولات المشاورات محمد عبد السلام. كما التقى في الرياض مسؤولين يمنيين وذهب نهار الأحد إلى مدينة عدن، العاصمة المؤقتة اليمنية، للقاء الحكومة اليمنية هناك.
تعثر المسار السياسي في اليمن منذ فترة تطاول العامين. إذ لم تجرَ أي جولة مشاورات وفشلت كل محاولة لجمع اليمنين في مشاورات بعد فشل جولات الكويت الماراثونية.


حينها وقف المجتمع الدولي لفترة ينتظر إحراز نصر عسكري يغيّر من المعادلة على الأرض وهو يواجه ضغوطاً من المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام التي تتهمه بصمته تجاه ما يحدث في اليمن مع رفع تقارير منذرة ومفزعة بشأن الوضع الإنساني. وتوجهت الضغوط أكثر نحو السعودية التي تقود تدخل التحالف العربي العسكري في اليمن من أجل استعادة الدولة كما هو الهدف العلني للتحالف. بالتأكيد، تتعرض الدول الغربية الداعمة للمملكة لضغوطات كبيرة هي الأخرى ضمن رهانات سياستها الداخلية وجولات الانتخابات فيها. وقد ذهبت دول أوروبية، تبيع أسلحة للمملكة بحصص محدودة، إلى اتخاذ مواقف حادة إزاء هذه الصفقات من قبيل إيقاف أو تجميد بعض الصفقات في ضجة إعلامية لا أكثر.



أرادت بريطانيا زحزحة هذا الجمود السياسي في اليمن وإنجاح المبعوث الخاص للأمين العام، مواطنها السيد جريفث. بذلت بريطانيا جهوداً كبيرة من أجل إنحاج مفاوضات ستوكهولم التي توجت بتوقيع اتفاق مسلوق ومنحته تغطية إعلامية كبيرة.


جاء اتفاق ستوكهولم بعد ضغوط غربية وأمريكية تحديداً على التحالف وعلى الحكومة اليمنية من أجل إيقاف حملة عسكرية حكومية للسيطرة على ميناء الحديدة. كانت هذه الحملة قاب قوسين من إحراز هدفها. إلا أن ايقاف تلك الحملة أنقذ الحوثي أولاً، وأعطاه إشارة للثقة بالمجتمع الدولي كي ينخرط في عملية سياسية. بالمقابل عزز وهم القدرة لدى التحالف والحكومة على إخضاع الحوثي للقبول بمسار السلام، بينما تعطل الهدف الاستراتيجي العسكري للحكومة.


منذ ما لا يقل عن سبعة أعوام الملف اليمني بعهدة مجلس الأمن وتؤطره خطوات سياسية أممية هي قرارات وبيانات ومبعوث خاص. إلا أن اتفاق ستوكهولم الذي يبدو وكأنه انجاز بريطاني في المقام الأول يجعل من بريطانيا فاعلاً أكبر في القضية اليمنية على حساب الأمم المتحدة نفسها. والفشل في إنجاز اتفاق ستوكهلم يجلب للدبلوماسية البريطانية إحساساً بـ وصورة لـ الفشل يدفعها إلى التحرك على أعلى مستوى.


 
فها هو وزير خارجيتها يلتقي بمتحدث رسمي لجماعة تصفها الصحف الدولية بالمتمردة ويلزمها قرار أممي بالتراجع عن إجراءاتها العسكرية الأحادية والانسحاب من المدن في تزكية واضحة لتوصيف التمرد. وهذه سابقة دبلوماسية خطيرة حسب علمي وتعكس دبلوماسية هواة لا دبلوماسية احتراف.


كان أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي بيرتراند بادي قد نشر مقالة بعنوان "عجز القوة" في العام 2004. ويشير فيها إلى أن القوة العظمى ليست كذلك وإن كان لا ينفي عنها هذه الصفة بالمرة. لكنه أوضح عجزها عن الفعل في ظل متغيرات جديدة حيث بدت هذه القوة غير قادرة على السيطرة على بعض النزاعات التي لم تعد فيها المواجهة بين دولة ودولة ولكن حروباً غير متماثلة تنتج صراعات اجتماعية يصعب ضبطها. ويتخذ بادي من الحرب الأمريكية في العراق دليلاً على هذا العجز.


الحقيقة، أن هذا العجز ليس عسكرياً فقط. لكنه في قراءتنا لسلوك بريطانيا الدبلوماسي في اليمن هو عجز سياسي أيضاً. وقد تذهب بريطانيا لتغطية عجزها إلى الوقوف وجهاً لوجه مع الحوثي، أو مع الأخ الأكبر لهذه الجماعة أي إيران. ويمكننا الجزم بأن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها بريطانيا من خلال تصنيف حزب الله جماعة إرهابية تندرج ضمن هذا السياق. إذ تمارس بريطانيا سياسة مواجهة مع إيران عبر أذرعها كما تلعب إيران مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي عبر أذرعها.


لعل التحالف نجح من حيث لا يدري في جعل الحوثي في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بعد أن تركزت الضغوطات لسنوات تجاه السعودية وتحميلها وزر الأزمة الإنسانية في اليمن. في حين أن المنظمات الدولية التي كانت تمارس ضغوطات شديدة تجاه التحالف لم تندفع اليوم، في رأينا، لتصويب نظرتها تجاه مفتعل الأزمة الإنسانية في اليمن كما ينبغي.


لقد تغيرت لهجة بريطانيا تجاه الحوثي منذ أيام. تصريحات عديدة دبلوماسية بريطانية تشير إلى نفاد صبر بريطانيا وتشديدها حول التطبيق السريع لاتفاق استكولهم.


إلا أن هناك نقاط جوهرية ينبغي التنويه اليها:


أولاً، أن الجماعة الحوثية تمارس دبلوماسية شبيهة لتلك التي مارستها إيران لسنوات بخصوص ملفها النووي. تكمن هذه الدبلوماسية في إظهار خطاب عدائي جداً يتكفل به العسكريون أو الميدانيون وتمنُّع شديد سياسياً مقابل مرونة بروتوكولية يمارسها الدبلوماسيون بحيث تغدو هذه المرونة مطلباً بحد ذاته ومكافأة تحول دون الوصول إلى الهدف الرئيس. الغرض من هذا السلوك هو تبديد الجهود وكسب الوقت الذي يسمح بالتمكن الميداني. ففي الإتفاق الإيراني النووي لم يربح أي طرف سوى إيران. ورغم هذا، لم تستجب كلياً للاتفاق لأنها وضعت عراقيل قانونية في الإتفاق الملحق فتحت باب الاختلاف في التأويل وترتيب المراحل. وهكذا يفعل الحوثيون الذي يبتغون الحصول على المزيد من الاعتراف السياسي ويخرجون من صفة المتمرد إلى صفة طرف سياسي.


ثانياً، أن النهج الذي اتبع في التوصل إلى اتفاق ستوكهلم كان بتجزئة الملف اليمني من ملف سياسي شامل - كما كانت المشاورات أو المفاوضات السابقة والتي اصطدمت بتعنت الحوثيين كما هي شهادة المبعوث الأممي السابق على قناة فرانس 24 – إلى قضايا جزئية. وهذا الإجراء أشبه بمصفوف لا يتوقف عند حد. اذ رأينا أن المبعوث الخاص، وخشية إعلان فشل هذا الإتفاق بعد استقالة المراقب الهولندي الدنماركي باتريك كاميرت، قد انزلق في هذا النهج ويعمل على تجزئة اتفاق ستوكهولم بخصوص الحديدة إلى سلسلة إجراءات.


ثالثاً، أن سحب الملف اليمني خارج الرعاية الأممية يعني القفز على الأطر القانونية والسياسية التي ترعى هذا الملف وتقترح حلاً سياسياً وقانونياً يستند إلى جملة قرارات. بالتالي الذهاب إلى واقع قانوني وسياسي جديد يقوم على قراءات للشأن اليمني عبر النتائج أو الأمر الواقع وليس في سياق الأحداث منذ أن صار اليمن شأناً أممياً.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين




شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->