المَجْرَى الذي ظهرتْ منه الآفة الحوثية

إذا تناولت حدثاً محلياً من منظور معرفي أو أخلاقي عالمي، فالنتيجة حتماً ستكون قراءات باردة، ومعزولة عن منابع الانفعالات العميقة المحرِّكة للأحداث.

تاريخ اليمن يوفر إمكانات معرفية هائلة لفهم ومقاربة ظواهر الحاضر واستشراف تطوراتها المحتملة، إمكانات أقوى وأكثر كفاءة مما توفره المقارنات والقياسات السطحية مع قصص وتجارب من بلدان ومجتمعات العالم الخارجي.

على أن هذه الملاحظة ليست دعوة للاستغناء كليا عن المقارنات والقياسات مع نماذج ووقائع من حقول اجتماعية وحضارية وجغرافية مختلفة، لكن لا يمكن الاعتماد على نتائج مقارنات كهذه إلا إذا تم الأخذ في الاعتبار الجانب التاريخي الوطني وخصوصيات اليمن: المجتمع وذاكرته المشتركة، وجغرافيته وتكوينه الثقافي.

وكلمة "تاريخ" تأتي هنا بمعنى الماضي، أي جميع ما تحتفظ به الكتب والوثائق عن حوادث وتجارب الماضي.

المصدر الثاني للفهم هو الحاضر، وهذا يعتمد على المراقبة العيانية للظواهر والحوادث والجماعات، رصد الأخبار وتحليل الخطابات والهياكل والمواقف.

فنحن، مثلا، لا نستطيع أن نفهم جماعة الحوثي الفهم الأمثل على ضوء قصة الثورة الاسلامية الايرانية أو حزب الله أو أي تجربة ونموذج آخر. دائما، هناك عنصر يمني خاص في كل ظاهرة وكل واقعة. وهذا العنصر أساسي وحاسم.

في ستينات القرن الماضي، ما كان لصحفي أو باحث أجنبي أن يرى في ثورة 26 سبتمبر، إذا قام بوضعها في المنظور التاريخي العالمي لما سميت بالحرب الباردة، أكثر من قصة فرعية من قصص الصراع بين المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفاؤهما في المنطقة وعلى رأسهم السعودية، والمعسكر الاشتراكي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي وحليفه في المنطقة ممثلا في مصر بقيادة عبدالناصر.

في الحرب الطويلة بين الجمهوريين والملكيين، كان اهتمام الصحافة العالمية يتركز حول الوجهة الأخيرة التي قد تذهب إليها الأمور في هذا البلد: هل هو الاتجاه نحو القطب الشرقي الحامل لمشعل الثورة والتحرر ضد قوى الاستعمار و"الاستغلال"، أم هو الاتجاه نحو القطب الرأسمالي الغربي.

وكان يجري تصنيف أطراف الصراع في الداخل تبعاً لقربها أو بُعدها من هذين القطبين.

أسفرت التطورات، حينها، عن انقسام المعسكر الجمهوري إلى فريقين رئيسيين: كتلة ثورية "راديكالية" مقابل كتلة من الثوريين "المعتدلين". وصل الانقسام إلى ذروته في العام 1967، ثم تحوَّل إلى صِدام بين الفريقين انتهى بفوز أحدهما. (مع العلم أن هذه الاستعادة للأحداث لا تخلو من تبسيط واختزال).

ومن منظور الفكر الثوري الماركسي، كانت قوى "الرجعية" "الموالية للاستعمار" في الصف الجمهوري هي التي انتصرتْ في شمال اليمن على الفصائل الثورية الجمهورية "التقدمية" اليسارية.

وكان يمكن لصحفي وباحث أوروبي، مثل فريد هاليدي، المعروف في مؤلفاته بانحيازاته الفكرية الماركسية، أن يكتب عام 1970 معبِّراً عن خيبة أمله من أن قوى "الرأسمالية الموالية للاستعمار" قد تغلَّبتْ في شمال اليمن باسم الجمهورية:

"لقد أُعدَّتْ اليمن اقتصادياً للسير في اتجاه رأسمالي، كما بدأت تتكون في المدن طبقة عاملة ناشئة. صحيح أن القوى الموالية للاستعمار، استطاعت فرض ارادتها على الدولة والمجتمع الجديد، لكنه لا يمكن القول بأنه لم يطرأ أي تغيير جذري على اليمن، بالرغم من أن التحول الراديكالي قد أُغرق في حمام من الدم".

هاليدي وصف القوى اليمنية التي أزاحت أول رئيس للجمهورية، عبدالله السلال، في انقلاب 5 نوفمبر 1967، عقب انسحاب القوات المصرية، بـ "القوى الرجعية الموالية للاستعمار"، رغم أنه استدرك بأن ذلك الانقلاب لن يستطيع محو ما أحدثته الثورة في اليمن من تحولات "كما إن رِدة عام 1794 وأحداث 1815 في فرنسا لم تمح آثار ثورة 1789، كما هو معروف".

لم يتوقف الشطط، بهذا الكاتب والباحث القدير الذي ينحدر من أصل إيرلندي، عند مقارنة انقلاب 5 نوفمبر بواقعة إطاحة روبسبير (وهو محام ورجل دولة يعد من أبرز القيادات في الثورة الفرنسية) عام 1794، بل أضاف هاليدي واقعة عودة الملكية الفرنسية 1815، لكي يؤكد على أن سيطرة الفصيل الجمهوري "المعتدل" على السلطة في صنعاء هو حدث يضاهي عودة المَلكية في فرنسا.

إن هذه لطريقة من أسوأ طرق الاستدلال والاختزال التي كانت رائجة حد الابتذال. في حقيقة الأمر، ومهما يكن موقفنا من انقلاب 5 نوفمبر، إلا أنه لم يكن شبيها لا بصعود النابليونية ولا بعودة الملكية الفرنسية.

أما بالنسبة لكاتب أو حزبي يساري يمني، في ذلك الحين، فإنه ما كان لمثل هذه التقييمات للأحداث وللنتائج، إلا أن تكون مبعثا للرضى والسعادة. لا بد أنه كان يجد فيها الصياغة المطلوبة والعادلة لقضيته التي خسرها أمام الواقع المحلي.

و"اليساري" في اليمن هو كل من يحب أن يدعى يساريا، أي كل من يحمل هذه الصفة باعتزاز ينطلق من الاعتقاد الشائع في ذلك الوقت بأن "اليسارية" قرينة الثورية والتحرُّر. واليساري هو بالضرورة ماركسي حتى لو لم يقرأ مؤلفات ماركس، وهو "تقدّمي" يحدوه اليقين بأنه على الجانب الصحيح من التاريخ.

وهكذا كانت القضية من جانب قوى اليسار اليمني، قد صيغت بلغة الصراع العالمي المهيمنة في تلك الفترة. أما من الجانب الآخر "اليميني" أو "الرجعي"، فصياغاته كانت هجينة، توفيقية، وهي في جانبها الأكبر مستخلصة من الأفق التاريخي المحلي، بينما كان الأفق القومي العربي والإسلامي يحتل فيها المرتبة الثانية من حيث الأهمية.

وقد كانت أدبيات الحركات الثورية القائمة على الأفكار الاشتراكية الماركسية، سواء تلك التي على النمط السوفييتي، أو تلك المعدَّلة محلياً والمصنوعة من مزج التطلعات القومية والوطنية مع المبادىء التحررية الأممية - تزوِّد فصائل اليسار العربي بترسانة من المفاهيم والكلمات الفخمة والصيغ الخطابية المحتكِرة للحقيقة وللثورية النظيفة.

"المحافظين" أو "الرجعيين" أو "التقليديين" أو "الإقطاعيين" - كلمات ونعوت رنانة أطلقها اليسار اليمني على خصومه. ولم يكن كل المشار إليهم بهذه النعوت يعون أنفسهم آيديولوجياً وسياسيا ضمن معسكر الغرب الرأسمالي، لم تكن "رجعيتهم" مبدأ مؤطَّر في نظرية. كانت "الرجعية" صفة تحقيرية صادرة عن تيارات اليسار الأكثر وعيا بآيديولوجيتها المتعاطفة أو المتأثرة بالنماذج الثورية التي كان يرعاها الاتحاد السوفييتي.

انسحب المصريون بعد هزيمة العرب أمام إسرائيل في يوليو 1967، وأمسى النظام الجمهوري في صنعاء مهدَّداً ومكشوفاً من الخارج. لكن هل عادت المَلكية الإمامية المسنودة من السعودية وبريطانيا وإيران والأردن والمغرب؟

لا. لقد انتصرت الجمهورية، حتى لو لم تكن تلك الجمهورية التي كان يحلم بها اليساريين والثوريين الراديكاليين. ورغم إدماج عناصر وقيادات من الصف الملكي "الإمامي" في الحكومة الجمهورية بموجب اتفاق مصالحة وطنية بين الجانبين عام 1970، إلّا أن حاملو الفكرة الإمامية لم يعتبروا ذلك نهاية المطاف. كان عليهم البقاء في حالة كمون يَقِظ طوال مدة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة عقود من تاريخ الجمهورية.

إذن، من هذا المجرى ظهرت الآفة الحوثية. وإن الدلائل كلها أجمعت على أن الهدف المركزي للحوثيين يتمثل في إعادة تثبيت نظام "الإمامة" الذي سقط في الستينات، بالطبع تثبيته على أيّ نحوٍ كان، وتحت أي مسمى أو شكل، ومهما كلف ذلك من ثمن. يمكن إدراك هذا من وراء الكلام الموارب في الفعاليات التثقيفية الحوثية، وفي الدعاية السياسية وفي الخطاب الإعلامي، وفي الملصقات والألوان، وفي اللوحات العملاقة في شوارع المدن، وفي المواعظ المسجدية، وفي المناسبات والمواقيت والرموز، وفي الهندام ونغمة الصوت.

أن يكون الحوثيين "إماميين"، ليس هذا مما يبعث على القلق أو العناية من أحد، ما لم يكن يمنياً، بل وأن يكون يمنياً وطنياً، ذلك أن هناك يمنيين يَغلب عليهم، في موقفهم وتأويلهم للحوثيين، إمّا نظرة طائفية (زيود، شيعة) أو مناطقية (الهضبة، المركز) أو جهوية (شمال الشمال).

من غير الممكن شجب ومناهضة الأهداف السياسية لجماعة الحوثي إلا من منطلق وطني يمني. ليس في المبادىء والمعايير الموجِّهة للمواقف الدولية، ما يمكن الاستناد إليه لإدانة الهدف السياسي الذي يناضل الحوثيين لتحقيقه. يقتضي الأمر فقط حساسية تاريخية ووطنية.

"الوطنية اليمنية" أو "النظام الجمهوري" أو "الوحدة" أو "الإمامة"، مفاهيم وقضايا لا يأخذها الباحثون في مراكز الدراسات الغربية على محمل الجد، فهي كلمات لها وقع غريب عندما ترد في سياق الحديث عن بلد من العالم الثالث، وليس من الممكن التعامل معها كمرجعية قانونية وأخلاقية لشرعنة أو تجريم أعمال هذه الجماعة أو تلك.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->