عُمان ومرحلة مرتقبة

رحل سلطان عُمان، قابوس بن سعيد، عن 79 عاما، قضى منها 50 عاما حاكما للسلطنة "الفريدة" التي شهدت تحت حكمه تحوّلات كبيرة، على الرغم من حالة الانعزال التي اتخذها السلطان عن محيطه العربي، ومبدأ عدم التدخل في السياسات الداخلية للآخرين، ومحاولة نسج علاقات متوازنة مع كل الفرقاء الإقليميين والدوليين. 

نقل السلطان قابوس عمان من دولة سلطانية قديمة شكلا ومضمونا إلى دولةٍ حديثةٍ باستثناء نظريتها السياسية الحاكمة لها على مدى أكثر من قرنين ونصف، تحت حكم العائلة البوسعيدية، الإباضية مذهبا، والتي ترى في الحكم جزءا من وظيفتها الدينية، وتصوّرها الفقهي والديني، للحياة والسياسة معا.

عاد من كلية ساند هيرست العسكرية في بريطانيا بتصوّرٍ حديث للدولة العُمانية، اصطدم به مع التصور القديم الذي كان يحمله والده السلطان سعيد بن تيمور، فيما يتعلق بإجراء تحديثاتٍ ضروريةٍ في مؤسسات الدولة وأجهزتها التي ينبغي أن تستفيد من تحوّلات العالم من حولها، فاضطر السلطان لإزاحة والده عن الحكم، وتولي السلطة بنفسه، لقيادة دفّة التحوّلات التي كان يرى ضرورة القيام بها، فظلّ خمسة عقود يصوغها، على عينه، بعيدا عن العالم كله، مشكّلا دولةً فريدةً لا تشبه إلا نفسها. 


ولهذا يُعد قابوس بن سعيد المؤسس الفعلي للدولة العُمانية الحديثة، وقيادة تحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الدولة والمجتمع، بما يواكب التحدّيات المحيطة، والتي تمثلت بتهديداتٍ كبيرة حينها، فيما يتعلق بالتمرّد المسلح ومواجهته موجة اليسار الثوري العالمي والقومي العربي، وغيرها من التحدّيات التي مثلت تحدّيا كبيرا للسلطنة واستمرارها دولةً قديمةً في وجه عواصف التحولات السياسية والثورية التي شهدتها المنطقة العربية.

داخليا، واجه السلطان قابوس تمرّدا يساريّا في ظفار والجبل الأخضر، تحت مسمّى جبهة تحرير ظفار والجبل الأخضر، حينها فضلا عن اقتطاع إمارات ساحل عُمان وإعلانها دولةً مستقلةً باسم الإمارات العربية المتحدة، لكن الخطر الكبير تمثل بجبهة تحرير ظفار والجبل الأخضر اليسارية، والتي كانت تروم إسقاط السلطنة وإعلانها جمهورية يسارية، في طريقها نحو تحرير كل دويلات الخليج العربي من أنظمته الوراثية المشيخية.


تولّى قابوس الحكم شابا يافعا، وقدم إلى الحكم من خلفيةٍ عسكريةٍ صرفةٍ مكّنته، مع حنكته السياسية، من تجاوز أخطر لحظةٍ في تاريخ عُمان، المحكوم من هذه الأسرة البوسعيدية ما يقارب 260 عاما، حيث تمكّن من توحيد عُمان تحت مسمّى واحد، هو سلطنة عُمان، بعد أن كانت السلطنة ومسقط، عدا عن تمكّنه من إنهاء التمرد اليساري في ظفار عسكريا واحتوائه سياسيا، من خلال ضم معظم قيادات التمرّد شركاء في الحكم، ومنهم وزير الدولة للشؤون الخارجية الحالي، يوسف بن علوي، وغيره من قيادات التمرّد حينها.

وطوال سنوات حكمه الخمسين، انكفأ السلطان قابوس على نفسه، في إدارة السلطنة التي كانت بحاجةٍ شديدةٍ لإصلاحات جذرية،على كل المستويات السياسية والاقتصادية، وهي التي اتخذها قابوس، بمعية عمّه طارق بن تيمور، والد السلطان الجديد، هيثم بن طارق، حيث كان طارق بن تيمور رجلا إصلاحيا، اصطدم مبكرا بأخيه السلطان سعيد بن تيمور، ما اضطرّه للخروج من عُمان، والاستقرار في تركيا فترة، حتى استدعاه قابوس، بعد تسلمه السلطة، وعيّنه رئيسا للوزراء فترة، قبل أن يتولى السلطان قابوس هذا المنصب لاحقا.

ظل ممسكا بزمام الحكم، من خلال إمساكه بأهم مفاصله هناك، من رئاسة الوزراء، ووزارتي المالية والخارجية ورئاسة البنك المركزي، وهو ما جمّد الفاعلية السياسية لدواليب الحكم في السلطنة فترات طويلة، وحصر القرار برأس السلطان الذي انكفأت معه السلطنة على نفسها، في ظل شحّ مواردها الاقتصادية، والتي ذهب جزء كبير منها إلى بناء مؤسسة عسكرية صلبة ومحترفة.

ورسم قابوس شكلا واضحا لعلاقاته الخارجية، وهي الحياد التام في كل النزاعات، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، واحترام سياداتها، وهي ربما السياسة التي يصفها بعضهم بالانكفاء على الذات، وهو مبدأ مهم في العلاقات الدولية، بين الشعوب والدول، جعلت عُمان محطّ تقدير الجميع واحترامهم، على الرغم من مآخذ بعضهم على هذه السياسة. 


وجانب آخر من الواقعية السياسية للسلطنة وسياساتها هو نهجها المدرسة الواقعية في كل سياساتها، والتي تمثلت بمواقفها السياسية حول أزماتٍ عديدة عاشتها المنطقة، بدءا من اتفاقية كامب ديفيد ثم مقاطعة الدول العربية مصر الدول العربية في العام 1979، وليس انتهاءً بالحرب العراقية الإيرانية وموقف عُمان المحايد حينها، فضلا عن فتح عُمان خطوط تواصل مع إسرائيل، والتطبيع معها بشكل أكثر جُرأةً من المطبعين مع الكيان سرّا.

وفي الملف اليمني، وهو الأهم بالنسبة للسلطنة وسلطانها الجديد، فقد اتخذت مسقط، منذ البداية، مواقف الحياد، والوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأطراف، وهو الموقف الذي لم يرق كثيرا لأنصار الشرعية اليمنية، والتي للأسف لم تحاول فهم هذا التوجه العماني في سياساتها، وهو التوجه الذي استفاد منه الحوثيون واستثمروه جيدا لصالحهم، فيما ذهبت الشرعية بموقفها المتماهي مع الموقف السعودي الإماراتي، المخاتل تجاه عمان، فخسرت الشرعية اليمنية كثيرا من موقفها هذا ولم تستفد شيئا. لكن المراقب للسياسة العُمانية أخيرا يلاحظ تحوّلا واضحا فيما يتعلق بالأزمة في محافظة المهرة اليمنية الحدودية للسلطنة، وذلك في التدخل العُماني ضدا للسياسات السعودية والإماراتية هناك، بدعم القوى الرافضة للوجود السعودي الإماراتي في المحافظة.


وهذا التوجه جديد على السياسة الخارجية العُمانية، قد يقود إلى تساؤل مهم عما إذا كان قد طرأ شيءٌ على السياسة العُمانية، وخصوصا في ظل طول أمد الحرب في اليمن، وتورّط السعوديين والإماراتيين في المشهد الداخلي اليمني، ما قد يدفع مسقط إلى المواجهة مستقبلا مع هذين الطرفين الخليجيين في اليمن، وهو ما سيكسر قاعدةً ذهبيةً في السياسة العُمانية، سيكون سببها انفراط عقد الدولة اليمنية التي ظلت سياجا أمنيا حصينا لمنظومة الأمن القومي لمنطقة الجزيرة العربية كلها.

ومن هنا، هل سنشهد تحولا كبيرا في السياسة العُمانية، في ضوء هذه المؤشرات، وفي ظل أن السلطان الجديد، هيثم بن طارق، ملتزم بنهج سلفه السلطان قابوس؟ وإلى أي مدىً يمكن أن تدفع الأزمة اليمنية المشهد الخليجي كله إلى مربع الحرب، في ظل سعي الجميع حتى الآن إلى أن يظل اليمن ساحة صراع ومنطقة نفوذ معطلة من سيادة الدولة اليمنية التي سيمثل تغييبها وتعطيلها متاهةً كبيرةً، وتهديدا حقيقيا لمنظومة أمن دول الجوار الخليجي وطريق التجارة الدولية في البحرين العربي والأحمر.

ومع هذا، تظل سلطنة عُمان الطرف الخليجي الأقدر على لملمة المشهد اليمني، وجمع اليمنيين على طاولة حوار جدّي، في حال فعلا، فعّلت مبدأ الحياد التام، والوقوف في موقف واحد من جميع الأطراف. وستمثل الحرب والأزمة اليمنية اختبارا حقيقيا للسلطان هيثم بن طارق ومنظومة حكمه، ومرحلته الجديدة هذا، وأن نجاحه بالنأي بالسلطنة عن أي أزماتٍ خارجيةٍ مرهونةٌ بما يمكن أن يحققه في المشهد اليمني، بعيدا عن أي توجهاتٍ وأجنداتٍ أخرى، بدافع الخصومة غير المعلنة مع السعودية والإمارات، أو التحالف أيضا مع إيران.

* نقلاً عن (العربي الجديد)


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->