نخْب الحرب الجديدة !

تقريباً، هناك يقين عام أننا موعودون بفصل غير مسبوق من الجحيم في حال أسفرت التهديدات المستعرة بين أمريكا وإيران، إثر اغتيال سليماني، عن مواجهة عسكرية شاملة وأن شرقنا الأوسط، أكثر بقاع الأرض انكشافاً وهشاشةً في العصر الحديث، سيدخل مستوى أعلى من الإنكشاف والهشاشة بما أنه قد قدر له أن يبقى أرخص المسارح لاحتضان نوبات جنون الأمبراطوريات المخضرمة والصاعدة.

لكن هذا اليقين لم يكن كافياً للحيلولة دون غبطة ملايين الأشخاص، على الأخص في بلدان يتوقع لها أن تمثل جبهات متقدمة للحرب وأن يصبح كيانها برمته موضع مقامرة لو تحققت التهديدات بالفعل، كما هو الحال مع اليمن.

في دائرة الأصدقاء والمعارف الذين أتيح لي معايشة ردة فعلهم العفوية، لم يظهر على أي واحد منهم ما يشير إلى أنه يأخذ هذه الحرب المحتملة على غير محمل المتعة، بل وترسم الخيبة نفسها على ملامحهم كلما لاح لهم أن الإنتقام الإيراني قد لا يأتي سريعاً، وإذا أتى قد لا يؤدي بالضرورة إلى انلاع الحرب التي يتوقعونها، وأظن أن هذا حال يشترك فيه جميع الذين شاهدوا قضاياهم الوطنية وتضحياتهم وأحلامهم ونضالاتهم النبيلة تجري مصادرتها وتهميشها لصالح صراعات نفوذ بين قوى إقليمية وعالمية.. ووجدوا أنفسهم معزولين قسراً  لحظة انتقال هذه القوى لتطبيع الأوضاع وتثبيتها على مظالم فادحة وأوضاع كارثية عبر تسويات حقيرة تراعي فيها مصالحها فقط.

ليس نزوعاً وحشياً أو فقراً في الإنسانية ما يدفع هؤلاء الناس لترقب الحرب بين أمريكا وإيران بالكثير من اللهفة، ولكنه اليقين من استحالة أي تحسن في شروط حياتهم في ظلال الدولتين، فمنذ الإنسحاب الأمريكي الشكلي من العراق، كان قد ثبت أن الأمريكيين والإيرانيين قد اهتدوا إلى صيغة معينة تسمح لهم بتقاسم النفوذ والمصالح مع بعضهم ثم متابعة حربهم الباردة في الوقت نفسه، وجرى استحضار هذه الصيغة في محطات تالية في اليمن وسوريا.

صيغة مثل هذه لا يمكن أن تعيش إلا على إعدام مطلق لجميع فرص أهل البلاد الأصليين في بناء دولتهم على النحو الذي يريدون، وقد رأينا ما الذي حل بإرادة الناس في اليمن وسوريا.

لا يمكن أيضاً رد هذه النشوة الجماعية الراقصة على إيقاع التهديدات إلى فقر في التجربة وجهل بما تورثه الحرب من شقاء وبؤس على ما يذهب المثل الشعبي القائل "ما أسهل الحرب على المتفرجين".
يمكن الملاحظة بسهولة أن نشوة الحرب تتركز أساساً  في بيئات دامية و مثخنة بالآلام، عايشت الحرب في أشد صورها رعباً وعايشت تبعاتها من ضياع وعدمية ويأس، ولا حاجة لها بالتذكير أن الحرب خطيئة لا تغتفر.

المنتشون إذاً ليسوا وحوشاً غريبة عن الإنسانية أو قطعاناً فاقدة العقل، ولكنهم ضحايا يعيشون الحرب ويكتوون بنارها سلفاً، والذي استجد بالنسبة لهؤلاء الناس باغتيال الأمريكيين لسليماني، أنهم رأوا إشارة أن الحرب أصبحت أخطر من مجرد كرة من اللهب يوجهها الجنرالات والجواسيس العابرون للحدود أينما شاءوا، دون أن يصيبهم من نارها لفحة أو شرارة.

حرب يشاركنا الأقوياء دفع كلفتها، ويظهر فيها المتحدثون العسكريون على الشاشات بملامح مثقلة بالقلق، وبنبرة زاحفة تحت وطأة الحيرة وانعدام الأمن، تبعث على النشوة بالفعل.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->