إيران بين جزرة أوروبا وعصا أمريكا

كلما تقدم ترامب خطوة نحو الخليج العربي وتوافق أمنياً معهم تقدمت أوروبا خطوتين نحو إيران. إذ أعلن الاتحاد الأوروبي يوم أمس الخميس في رأس شهر يناير عن إنشاء آلية مالية هي "قناة مالية" تسمح بالتبادل التجاري مع إيران وبتفادي العقوبات الأمريكية التي شدُّدت في عهد الرئيس الأمريكي ترامب.

منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية فقد عمل على رفض الاتفاق النووي المبرم مع إيران العام 2015 في عهد سلفه باراك أوباما معللا ذلك بأن إيران لا تحترم التزاماتها بهذا الإتفاق بينما تعمل دول في الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على الإتفاق وتمضي في تحدٍ للعقوبات الامريكية المفروضة على الشركات التي تتعامل مصرفياً مع ايران.

وفي العام المنصرم مع وقوع العقوبات كانت شركات أوروبية معدودة على رأسها شركة توتال النفطية قد غادرت السوق الإيرانية وتنازلت عن صفقات كبيرة أبرمتها في السابق مستفيدة من انفتاح السوق الإيرانية وقانونية التعامل معها بعد التوقيع على الاتفاق.

الآلية الجديدة instex هي آلية بينحكومية مقرها فرنسا ويديرها مصرفي ألماني وأسستها كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا مقرها في باريس وتتيح التبادل التجاري بين الدول الأوروبية المؤسسة مبدئياً وستنفتح على دول أخرى لاحقاً منها الهند وروسيا والصين. وفكرتها تقوم على إنشاء شركة إيرانية تبيع منتجات إلى شركة أوروبية مقابل شراء إيران منتجات طبية وغذائية دون تحويلات مصرفية وإنما عبر غرفة مقاصاة وبهذا تتجنب المعاملات التجارية التحويلات المصرفية التي تخضع للعقوبات الأمريكية.

إلا أن أهم قيود هذه الآلية هي أولاً أنها تخص الشركات الصغيرة والمتوسطة فقط. ثانياً أنها تقتصر على تبادل الغذاء والدواء وكأنها مماثلة لبرنامج الغذاء مقابل النفط الذي سرى مع العراق في ظل العقوبات الدولية قبل عقدين من الزمن.

كما أن القيد الرئيس هو أن أوروبا لم تعد تشتري نفطاً من إيرن بعد أن كان النفط بحسب صحيفة اللوموند يمثل 90 % من مبيعات إيران لأوروبا وبهذا فإن الآلية تبدو لصالح مبيعات أوروبا من السلع الغذائية والدوائية وعلى ايران تدبر سوق لنفطها.

ومهما تكن هذه الخطوة السياسية بتعبير وزير الخارجية الفرنسية والتي تمثل بالمرة تحدٍ لأمريكا ترامب من ناحية وتحمل إصراراً على انقاذ الاتفاق النووي وتمثل تقارباً أوروبياً مع طهران رغم مخاوف إسرائيل او الدول العربية الأخرى إلا أن طهران سبق وأن خلقت توترات دبلوماسية مع عواصم أوروبية عديدة من خلال محاولة اغتيال معارضين إيرانيين في دول أوروبية أو عمليات تجسس أو محاولة تفجير حشد معارض إيراني في العاصمة الفرنسية باريس منتصف العام المنصرم.

تلوح أوروبا بالجزرة إلى إيران بينما التخبط السياسي الإيراني ينظر إلى العصا الأمريكية ويتصرف بطيش قد يقضي على الفرص السياسية والإقتصادية المتاحة في ظل الانقسام الأوروبي الأمريكي تجاه الملف الإيراني. فضلاً عن موقف أوروبا الذي يحاول احتواء إيران مقابل معالجة سياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار في لبنان واليمن وسوريا او كبح جموح برنامجها الصاروخي.

البعد الاستراتيجي لهذه الآلية المالية هو أن أوروبا ستمسك بزمام التبادل التجاري الدولي مع إيران فيما لو نجح هذ البرنامج وأقبلت دول كبيرة على التعامل عبره مثل الصين والهند روسيا. وستكون بيد أوروبا ورقة رابحة لترويض النظام الإيراني.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك