الخطر القادم

كل سنة يصدر اليونسيف تقريرًا عن أطفال اليمن الذين وصلوا أو تجاوزوا سن التعليم وهم خارج المدارس.

من 2017 وحتى 2019، تقول إن العدد مليونان.

مليونان خارج المدارس، لا يتلقون التعليم مطلقًا، والآن هناك مشاكل جمة لمن هم داخل المدارس، سأذكرها لاحقًا.

الكارثة كبيرة، وكان يمكن لمجلس النواب أن يناقشها بحثًا عن حلول عاجلة، فالتباطؤ في حلها يعني تأجيل انفجار في جوانب مختلفة مستقبلًا، فبعد عشر سنوات تزيد قليلًا أو تنقص، سيكون هناك الملايين من الشباب الذين لايجيدون القراءة والكتابة، هل تنتظرون منهم أن يحملوا أغصان السلام ويغنوا للحب؟

بما أن العالم يتحول إلى قرية صغيرة بفضل التقدم التكنولوجي، فمأساتنا أننا نتحول إلى قرية نائية، وهؤلاء المعزولون عن التعليم أو الذين ينتقلون من صف لصف دون تعليم، سيحتاجون إلى تكوين أسر، ومصدر دخل، وإذا ما استمرت المشكلة فلن تجد الدولة حلاً للتفاهم معهم.


من هم بداخل المدرسة، والذين لم تدخلهم اليونسيف ضمن احصائياتها، يمرون بمشكلة عويصة، عدم التعليم بالمعنى الحرفي للكلمة، أو بنصف المعنى.

فمثلًا هناك أعداد هائلة من الطلاب "من الثالث الابتدائي إلى السادس الابتدائي" يعانون من أمية جارفة، لا يعرفون القراءة والكتابة، وقد تتجاوز النسبة 75% في معظم الأرياف.

خطرت الفكرة، عندما نزلنا للمدرسة القريبة منا، فوجئنا أن 206 طالبًا وطالبة بحاجة لإعادة تأهيل وتعلم القراءة والكتابة، 206 من أصل 241، هذه المشكلة من الثالث الابتدائي إلى السادس الابتدائي..

في البدء ظننت أن المشكلة مقتصرة على مدرستنا، نظرًا لعوامل عديدة لعل أهمها عدم توفر المبنى الملائم، ما حدا بنا لاستطلاع بعض المدارس، وفوجئت بأن المدرسة التي كانت نموذجية في العزلة لا تبتعد عما نمر به، وفوجئت بتأكيدات المدير أن نسبة الراسبين في النصف الأول يصل إلى 77%، وأرجع تدني نسبة الناجحين إلى عدم تمكن الطلاب من القراءة والكتابة.

توسعنا في البحث، المديرية المجاورة تعاني من المشكلة ذاتها..
وعليه، هناك عملية ارتباط وثيقة بين الحرب وتدهور العملية التعليمية.

في المنطقة تحركنا بمبادرة تطوعية لتوفير جزء من العلاج، وقمنا بدورة لمدة شهرين لتعليم الطلاب، احتجنا إلى كتب وإلى تعاقد مع مدرسين لمدة شهرين، على أن نقوم بنشاط مماثل للطالبات بعد شهر رمضان.
وبما أن التحرك اعتمد بالأساس على ما يدفعه الشباب، فقد تواصلنا مع بعض العاملين في مجال الأنشطة الحقوقية، للتكفل باحتياجات النشاط القادم لتعليم الطالبات القراءة والكتابة.

وقد حللنا لهم أن من تداعيات الحرب التي أثرت على التعليم، التالي:
1 ــ حركة النزوح المختلفة مما استدعى عدم تمكن المدرسين وبعض الطلاب من الالتحاق بالمدارس.
2 ـ انقطاع الرواتب، مما استدعى قيام بعض المدرسين للالتحاق بالسوق بحثًا عن عمل يكفل قوتهم.
3 ـ مقتل بعض المعلمين، والتحاق بعضهم بالمعارك.
4 ـ عدم توفر المنهج المدرسي..
5 ـ اعتماد بعض المدراس على تحصيل رسوم شهرية من الطلاب، مما حدا بالأكثرية عدم الذهاب، ليتسرب الآلاف منهم.

ركزوا أننا لم نذكر المدارس المدمرة، التي حولتها المليشيا إلى ثكنات، أو التي قصفها الطيران، أو التي... إلخ.
الآن نحاول تعميم الفكرة كجزء من حل، وهي باختصار:

النزول للمدرسة وإحصاء من يحتاج للقراءة والكتابة، النظر إلى الكشوفات لتشمل المتسربين، إبلاغ ولاة الأمور أو وجاهات القرى لإرسال الأطفال لدورة تعليم.

ثم توفير المستلزمات المجانية: قراءة مصورة، دفتر، قلم، وتقسيمهم إلى مجموعات، كل مجموعة لا تزيد عن عشرين طالبًا.. ولكل عشرين طالبًا معلمًا من خارج المدرسة، ولكل معلم راتب رمزي بخمسة عشر ألف، بالشهرين ثلاثون ألف.


هذا الحل من الصعب تعميمه، ولكن يمكن تطبيقه في بعض المناطق كجزء من المبادرات المجتمعية التي تحمل على عاتقها مهمة العمل بدل المؤسسات الرسمية التي تمر بحالة استرخاء.
ما نعمله بدأ يؤتي ثماره، وبدأ الناس يتحدثون عنه في المقايل.. ما هو الحل الأنسب إذا لم نلجأ لمبادرة كهذه.

في مجلس عزاء، قال أحد الشخصيات، ويبدو أنه كان معلماً، إن هذه المشكلة "أمية داخل الطلاب" مرت بها مدارس عزلتهم، وبعد البحث عن حلول توصلوا إلى فكرة هائلة، هي كالتالي: أول شهرين من الدراسة تقتصر على تعلم القراءة والكتابة بالمدرسة كلها.. كانت الفكرة سنة 97.. يمكن أن تفكر الحكومة بحلول كهذه.. وإن اضطرت لتمديد الموسم الدراسي لشهرين أو حتى استقطاع شهرين من الموسم الدراسي.. لو تأخرنا في المنهج سنة ما، فسنحل مشكلة مستقبل.

هذا بالنسبة لمشكلة القراءة والكتابة من الثالث إلى السادس الابتدائي.

الآن نزلنا للمدرسة لإحصاء المحتاجين لتعلم مهارات القراءة والكتابة من السابع إلى الثالث الثانوي، وجدنا أن النسبة تقل بشكل كبير كلما تقدمنا صفًا، ما يؤكد ارتباط تدهور العملية التعليمية بسنوات الحرب، هذه الفئة يجيدون القراءة والكتابة، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن المنهج ولا عن المواد.. بإمكان المؤسسات الرسمية ممثلة بوزارة التعليم أن تشخص المشكلة والعلاج.

تعبنا.. لم أكتب بشكل جيد، ولكن لأول مرة أشعر وكأن الحكومة ستقرأ ما كتبت.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك