العنف الأسري: هل يمكن أن يحاكم آباء وأمهات "استهتروا بحياة بناتهم"؟

العنف الأسري: هل يمكن أن يحاكم آباء وأمهات "استهتروا بحياة بناتهم"؟

في سلسلة تدوينات موضوعها "كيف سيكون العالم خلال 10 سنوات"، تستحضر الكاتبة التونسية أمل خليف جريمة قتل الشابة الفلسطينية إسراء غريب على أيدي أفراد عائلتها في شهر أغسطس/ آب 2019، وتصف هنا مشاهد تخيلية تقاضي فيها فتاة من أحد البلدان العربية والديها متهمة إياهما بعدم قيامهما بواجب حمايتهما.

عبرت "آية" رواق المحكمة بخطوات متعثرة وقلب صاخب. خيّل إليها أن العالم قد ساده الصمت للحظة وتوقف الجميع عن الحركة، بينما استقرت العيون عليها بنظرات مفتشّة حادة.

كانت أصابعها المتعرّقة المرتجفة من التّوتر تضغطان حول دفتر يومياتها الذي احتفظت به لسنوات، في انتظار هذا اليوم.

لمحت والديها آخر الرواق فاستدارت عائدة.

- لا يمكنني.


أجبرتها صديقتها على أن تلتفت ودفعتها إلى الأمام.

- طبعا يمكنك.

صوت مطرقة العدالة تدوّي بين الحاضرين: محكمة! المدّعية: آية سالم. المتّهمون: أسرة سالم، الأم والأب. التهمة: إهدار كرامة. الكلمة للمدعية.

حاولت آية أن تتكلم و لكن صوتها كان غائبا، سعلت ثم بللت ريقها بالماء، حاولت مجددا. صوتها متجمد. عيون أمها جاحظة من الصدمة و الاستنكار.

التقطت صديقتها الدفتر من يدها، فتحته و قرأت بصوت عال:

16 مارس/آذار 2027: أحسست اليوم بحزن شديد؛ كنت ذاهبة مع أصدقائي لجمع الأوساخ المنتشرة على الشاطئ. قالت سهى إن هذا أفضل ما يمكن أن نفعله من أجل الكوكب. أردت أن أفعل شيئا جيدا من أجل كوكبنا. لكن أبي منعني من الذهاب وقال إنه راجع قائمة المشاركين بالنشاط على فيسبوك ووجد أن كلهم صبيان. أبي لا يصدق أني أريد أن أنقذ الكوكب. قال إني ذاهبة لأقابل الأولاد. وحين أخبرته أني أقابل الأولاد كل يوم فى المدرسة، ضربني. بكيت كثيرا. كنت أتمنى أن أرد له الضربة.

- من أنت وماذا تقرأين وما هذه المسخرة! صرخت الأم: آية ماذا نفعل هنا؟

- أنتم هنا لتحاسبوا! صرخت الصديقة وضجت القاعة بالهتافات.

-هدوء! تكلمي يا آية.

أخذت آية الدفتر و قرأت بصوت كأنه بداية هبوب الريح فى يوم عاصف:

15 أبريل/نيسان 2023: الحياة تمر هادئة. مر أسبوع لم يضربني أبي لأي سبب. تقول أمي إن البلاد ربما استقرت بعد موجة المظاهرات الأخيرة. ربما يعود أبي للعمل هذا الصيف. حصل أمر مضحك: جاءتني الدورة الشهرية. أمي ارتبكت. حاولت أن تفسر لي، طمأنتها أن المدرّسة شرحت لنا في الفصل عن الدورة الشهرية. طلبت منها أن أشتري مسكنا للألم. رفضت بدعوى أن الدواء يهدد خصوبتي. ثم قالت إن الفوط الصحية ستكون مكلفة لأبي. شعرت بالحزن و الذنب. الألم ينهش بطني. قرأت أن آلام الدورة تعادل آلام نوبة قلبية. أتمنى لو تصيبني نوبة قلبية. على الأقل سيكون بإمكاني أن أصرخ بصوت عال. ربما ينقذني أحدهم. ربما أموت و أتخلص من الألم. هذه أول مرة أتمنى فيها الموت.

اليوم 25 مايو/أيار 2029: الأستاذ عماد يعاملني بلطف دائما. اليوم و أنا أغادر القاعة أمسك بيدي وقال إنني مميزة. خفق قلبي بقوة وأحسست بالخجل. هل يمكن أن يكون الأستاذ عماد معجبا بي؟ هل يمكن أن يكون مغرما بي؟

اليوم 29 مايو/أيار 2029: كنت وحدي فى القاعة حين فاجأني الأستاذ عماد من الخلف. التصق بي بشكل مريب. أحسست ببرودة وبطنه تلتصق بظهري، حاولت أن أبتعد، لكنه أمسك يدي. وضعها على عضوه. أحسست بلسع كهرباء. لم أجرؤ على الكلام. لم أتحرك. نهى دخلت القاعة والأستاذ عماد ابتعد فجأة. أحسست بدوخة ورغبة في القيء. بكيت كثيرا حين عدت إلى البيت. حين سألتني أمي ما بي خفت أن أخبرها. لو سمع أبي كان يمكن أن يقتلني.

صمت القاعة بدا أثقل.

اليوم 6 يونيو/حزيران 2029: نهى كانت قد صورتني مع الأستاذ عماد فى القاعة وها هي اليوم تهددني بنشر الصور. لا أعرف ماذا يجب أن أفعل. نصحتني وداد أن أشكو الأستاذ لأهلي و للإدارة. وأن أشكو نهى للشرطة. لا يمكنني. بكيت كثيرا من الخوف. لا أريد الذهاب إلى المعهد بعد اليوم.

- لطالما حاولت أن أتقرب إليك، سألتك دائما عما يجري في المعهد، لم تجيبيني. كنت أراقب هاتفك كحل أخير لأطمئن. كنت تصرخين و تقولين إن خوفي يقتلك. أنا كنت خائفة من هذه المصائب. صرخت الأم. حين كنت أقول لك يا آية الرجال وحوش لا يعرفون الله. أنا أمك أكبر منك وأعرفهم. رميت بكلامي عرض الحائط..

- تقولين إن الرجال وحوش. لم تعترضي حين تحول أبي إلى وحش. قلت إنه أبي وله عليّ كل الحق.

- أنا وحش؟ هه يا ريت. أنت صغيرة جدا لتعرفي الحياة والوحوش. تحاكميننا؟ بسبب أستاذ تجرأ عليك؟

- لم يكن الأستاذ وحده من تجرأ علي. الأستاذ، ونهى، وزملاء آخرون، وابن الجيران. كل من فهم أنني وحدي وأن أهلي وحوش كذلك.

- تقولين وحوش مرة أخرى لأننا نخاف عليك فى بلد الفوضى والتسيب فصرنا وحوشا. أنفقت حياتي لأجل كسب العيش وتأمين التعليم لك ولأخواتك. سنحت لي فرصة سفر أكثر من مرة، بقيت لأجلكم، أبو البنات مرهون. لم أنتبه كيف مر العمر. كبرت وزادت طلباتك كل يوم أنت وأخواتك. لا تعرفين واقع الدنيا وتنكرين الجميل ولا تخافين الله.

- ليس جميلا. واجب. منصوص عليه في الدستور. على الأبوين أن يكفلا العيش الكريم والرعاية والأمان والكرامة لأبنائهما على قدم المساواة، أنتما لم تفيا بواجب الرعاية والأمان والكرامة.

- صرت تخاطبيننا بالقانون و الدستور!

- كل مرة اعترضت فيها على الضرب و السجن في البيت، قلتما إن الله سيعاقبني و يحرقني بالنار. حين هربت إلى بيت عمتي وطلبت المساعدة، دعت أمي عليّ ألا يسامحني الله أبدا. دعت علي بالموت. تمنت موتي أكثر من مرة وطلبته من الله. لم أتمنى موت أحد. لكني تمنيت دائما أن يعوضني الله. اليوم أنا هنا لأسترد حقي على كل الأذى الذي لم أعرف كيف أجيب عليه.

- حتى كلام الغضب أخذته على محمل الجد!

-لم تعرفوا أنه بمجرد إنجابي صار لي عليكم حق الكرامة. أستاذة التربية المدنية شرحت لنا حقوقنا في الفصل. شرحتها بدوري لأمي، فسخرت مني ومن المعلمة. أخبرتها أني سأقاضيكما و سخرت مني. لم تأخذني على محمل الجد، إنجابي لم يكن جديا، حياتي لم تكن جدية، جسدي، ألامي.. لكنني جادة جدا.. أريد تعويضا لأجل استهتاركما بحياتي وبسلامتي و لأجل كل ضرر تعرضت له.

حين دعوت الله أن يعوضني ووعدت نفسي بحياة آمنة وسعيدة، لم يكن كلام غضب. كان كلام جد.

مطرقة العدالة تدوي بين الحاضرين: محكمة!


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك