عن حكاية قطر والحوثي وحمود سعيد في تعز


بالأمس انتشرت أخبار حول معسكر تدريبي في تعز يضم المقاتلين العائدين من الحدود استجابة لدعوة رئيس مجلس المقاومة الشيخ حمود سعيد.

ما إن راج الخبر حتى تداعت بعض الشخصيات المتربصة للتحذير من الخطوة ومنحها تفسيرات لا تحتملها، تحدث البعض مشككًا بدوافع القضية، وآخرون تحدثوا عن قانونية الخطوة وفريق ثالث ذهب يفتش عن قطر في الموضوع ويربط الحكاية بها؛ ليستنتج أن الحوثي عاد إلى تعز بعباءة الشيخ حمود هذه المرة ومن وراه قطر المُتهمة بكل صغيرة وكبيرة.

حسنًا، نحن أمام احتجاج غريب وصادم، ولا يوجد أي تفسيرات لكل هذه التحليلات الملعوصة التي استدعاها البعض في سياق توجسهم من الموضوع. فالجميع يعلم أن هؤلاء الشباب العائدين تم حشدهم في ظروف غامضة للقتال في الحدود وبطرق غير قانونية، وطيلة ثلاث سنوات ظل الكثير يصرخ من كارثة التجنيد لأبناء تعز للقتال في حدود السعودية وبطرق أقرب للسمسرة دونما أي تعاقدات رسمية أو ضمانات حقيقية.

ظلت الأمور تراوح مكانها والكثير من المجندين الذين قضوا نحبهم مصيرهم مجهول ومن تبقى منهم عالقون في الجحيم. والحال هذا حدث منعطف جديد، تمثل بتعرض جيشهم الوطني في الداخل للغدر من قبل الحلفاء الذين يقاتل معهم الشباب في الحدود، في هذه اللحظة استثمر الشيخ حمود الحدث بشكل ذكي وأطلق دعوة طالب فيها الشباب المقاتلين في الحدود بالعودة، كانت الدعوة بمثابة حركة احتجاجية ضد سياسات التحالف العبثية باليمن وفي مقدمتهم السعودية.

ولكونها دعوة من شخصية تمثل رمزية نضالية مهمة وعنوان المقاومة الأبرز في مدينتهم تجاوب معها الكثير وعادوا.

خطوة كهذه كان من المفترض أن تلاقي ترحيب الجميع، فهي لا شك تصب في صالح الحفاظ على أبناء المدينة من المستقبل المجهول الذي ينتظرهم في الحدود، ومن الجيد أن يُعاد ترتيب أوضاعهم كقوة بشرية تحتاجها المدينة بدلاً من بقائهم في جبهة الحدود التي يقاتلون فيها وتبدو شبيهة بثقب أسود يستنزف المخزون البشري لتعز ويخلف مزيداً من الضياع والمأساة.

إلا أن ما حدث كان غريبًا، فالرجل الذي حشدهم وتبنى ترتيب أوضاعهم يحاكم اليوم وفقًا لمنطق غوغائي ويُشكك في أكثر خطواته نبلًا ووطنية وبدوافع تفتقد لأي منطق متماسك. باستثناء أوهام علاقة الرجل بقطر وعلاقة قطر بالحوثي وكلها خيالات عائمة وتهويمات من وحي الذاكرة المتعطشة لشيطنة الجميع.

فالرجل الذي حمل بندقيته وتصدى للجائحة الحوثية في اللحظات الأولى للمعركة هو الآن متهم بأنه يحشد المقاتلين للتحالف مع الحوثي، هذا المنطق المفشوخ لا يستند لأي حجة حقيقية، ومن يطلقونه يتخذون من كوابيسهم الخاصة حقائق ثم يستخلصون النتيجة من قلب الوهم.

من قال إن قطر داعمة للحوثي، من قال إن حمود سعيد تابع لقطر، من قال إن عودة الجنود الذين كانوا يقاتلون لجانب السعودية في الحدود يعني أنهم سينتقلون للقتال على الجبهة المضادة، ما هي الأدلة التي تؤكد هذا، على أي جحة يستند الناس في أحكامهم هذه، أنا لا أفهم كيف يتجرأ البعض على الوثوق باستيهاماته الخاصة لهذه الدرجة، ولو كانت صادمة للمنطق وعارية من أي حجة.

أعطوني لحظة واحدة كان فيها حمود سعيد متقلباً في مواقفه؛ كي أتفهم شكوككم هذه، فتشوا سجل الرجل جيدًا وتفحصوه كلمة كلمة كي تستخرجوا شاهداً يبرر توجسكم المزيف منه.

كان حمود سعيد ضد الحوثي منذ ما قبل دماج، كان ضده يوم كانت السعودية متواطئة معه، وظل مناهضاً له يوم وقفت السعودية ضده، وما يزال ضده وقد بدأت المملكة بالتقارب معه، نحن أمام رجل تأريخه يحكي مسيرة مناضل جل مواقفه متجانسة مع بعضها ويتحرك بشكل منسجم مع توجهه العام في الولاء للدولة والحلم الذي قاتل من أجله أول مرة..فبأي عقل تعصرون الأحداث وتفسرونها كما ترغبون..؟ بأي منطق أخلاقي تشوشون صورة الرجل ولصالح من هذا العبث المتدثر برداء الحرص على المدينة..؟

أخيرًا: كان يمكن تفهم أي شكوك خاصة بالخطوة لو أنها طالبت بضرورة تكييف العمل قانونيًا والدخول في مفاوضات مع قيادة المحور لتسوية أوضاع المقاتلين كونهم بلا صفة قانونية حتى اللحظة، وكونهم أيضًا ضحايا تجنيد أقرب للمتاجرة فقد سبق لهيئة الأركان ولقيادة محور تعز قبل فترة التصريح بعدم مسؤوليتها عن أي تجنيد عشوائي للقتال في الحدود دون المرور بالدوائر الرسمية للمؤسسة العسكرية.

في حالة كهذه كانت الملاحظات ستكون مشروعة إلا أن غالبية من توجس بالخطوة لم يتمحور توجسه في نقطة معتبرة بل ذهب بعيدا لتلبيس الحدث تهمًا بعيدة وفي قطر بعبع جاهز ومعه يكون المستهدف هو أنبل شخصية كانت وما زالت على رأس حربة المشروع المقاوم لإنقلاب الحوثي وعصابته ولا يمكن لعاقل أن يقلب المنطق ليدعي أن حمود سعيد ممكن أن يتواطأ في يوم ضد مسيرته النضالية وضد نفسه بهذه الصورة التي يراد تعميمها عليه زورًا وبهتانًا ونقمة باطلة.

*المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك