"الشرعية" بالتعريف الخليجي.. صنعاء وطرابلس أنموذجان

على مرّ تاريخه، تعامل المجتمع الدولي مع الحكومات الشرعية والمجموعات المتمردة عليها، بمسارين متعارضين، الأول يؤكد على دعم الحكومات المنتخبة باعتبارها تستمد شرعيتها من إرادة الشعوب، أو من توافق القوى المعبرة عنها، والثاني يدعم (أو يتغاضى) عن وجود المليشيات المنقلبة أو المتمردة، وهو ما خلق تناقضاً في بنية السياسة الدولية القائمة على احترام استقلال الدول وحماية سيادتها، وأحدث إرباكا في مسارات تسويات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

 ويمكن النظر إلى الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، للصراعات التي تدور بين الحكومات والمليشيات في ليبيا واليمن، كنموذجين لحالة التناقض الصارخة بين الاعتراف بشرعية الحكومات ودعم المتمردين عليها في آن؛ كما هو وضع فرنسا التي تمارس أدواراً دبلوماسية وعسكرية لصالح قوات حفتر المتمردة في ليبيا، في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن باتجاه صياغة تسويات سياسية في اليمن، تساوي بين الشرعية ومليشيا الحوثي، وتحافظ على بقاء المليشيا كقوة فاعلة في صنعاء والحديدة.

 وعلى نفس النهج الدولي، بل وبشكل أكثر فجاجة وغرابة وتناقضاً، تعاملت السعودية والإمارات مع الوضعين السياسي والأمني في اليمن وليبيا، حيث تستخدم الدولتان مفردة "الشرعية" في البلدين بما يتفق وأجندتها الخاصة، ضمن سياق الثورة المضادة وتأثير فوبيا الربيع العربي، وهي الأجندة التي ترمي لمنع قيام أي أنظمة قوية وطنية ومستقلة في اليمن وليبيا.

 في اليمن، وقبل خمس سنوات، نفذت السعودية ومعها الإمارات عملية عسكرية سميت ب"عاصفة الحزم" (مارس 2015) بهدف دعم "الشرعية" لاستعادة العاصمة صنعاء التي سيطرت عليها مليشيا الحوثي بعد انقلاب نفذته مع قوات علي صالح (سبتمبر 2014)، في الوقت الذي شنت الإمارات بغطاء من السعودية عاصفة غير معلنة، ضد الشرعية في ليبيا، وقدمت دعمًا عسكريًا ولوجستيًا لا محدود لمليشيا حفتر، بتواطؤ دولي واضح.

 "الشرعية" في مفهوم الرياض وأبو ظبي، لا علاقة لها بسيادة الدول أو استقلالها، هي شرعية التبعية، والتماهي مع فلك "الثورة المضادة" ضد كل ما له علاقة بـ"الربيع العربي"، شرعية القوى والأشخاص والجماعات التي تقف على الطرف المعاكس لإرادة الشعوب، لا يهم هل كانت شرعية أم لا، المهم هو درجة الولاء والتبعية، حتى ولو كانت هذه القوى مليشيات مسلحة وتلك الجماعات إرهابية أو حتى مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش، ووصل الحد بالدولتين العربيتين إلى خلق تلك الجماعات المتمردة من العدم؛ قوات حفتر في ليبيا، وقوات المجلس الانتقالي في اليمن.

 ولفهم حالة التناقض العربية، يمكن تأمل السنوات الخمس الماضية في ليبيا واليمن، حيث تتواجد في البلدين حكومتان شرعيتان معترف بهما دوليا، فبينما تدخلت المملكة والإمارات لدعم الشرعية في اليمن ضد مليشيا الحوثي، وظفت الدولتان في نفس الوقت كل الإمكانات لدعم مليشيا حفتر ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، لقد تم تقديم الدعم العسكري واللوجستي والسياسي والدبلوماسي لطرد مليشيا الحوثي من عدن ومناطق الجنوب وبعض مناطق الشمال، بالتزامن مع تقديم الدعم لمليشيا حفتر في أغلب مناطق ليبيا بهدف السيطرة على مناطق تابعة  للحكومة الشرعية الليبية والزحف نحو العاصمة طرابلس.

 المثال الأكثر دلالة للتناقض الذي تمارسه السعودية والإمارات فيما يتعلق بعلاقتها بمفردة "الشرعية"، هو الوضع الراهن التي تعيشه العاصمتان العربيتان صنعاء وطرابلس، ويشكلان أنموذجاً بارزاً لعقدة مزمنة تعيشها الدولتان الخليجيتان من كل ماله علاقة بالشرعية، حيث تدعمان عسكرياً ولوجستياً حصار طرابلس الليبية بهدف "تحريرها" من الحكومة الشرعية، وتسلميها لمليشيا حفتر الموالية للإمارات، بالتزامن مع فرض خط أحمر على عملية تحرير العاصمة اليمنية صنعاء، وإفشال كل العمليات العسكرية للجيش اليمني الهادفة لتحرير صنعاء، ووصل الوضع إلى حد تنفيذ غارات جوية على وحدات عسكرية وقطع الإمدادات العسكرية والتهديد بقطع رواتب الجنود، وممارسة الكثير من الضغوط على الحكومة، وإغراقها بمعارك في أكثر من منطقة مع المليشيات المسلحة التابعة للتحالف.

 النتيجة المنطقية لفهم العقليات الحاكمة للرياض وأبوظبي، هي أنّ من يحكمها مسكون بعقدة مرضية من أي حكومة منتخبة أو آتية من إرادة الشعب أو لها علاقة بالربيع العربي، وإذا كان دعم القوات المتمردة على الحكومة الليبية كافياً لفهم هذه العقدة المرضية، فإن ما يحدث في اليمن يعد أكثر دلالة، حيث تم استخدام الدعم المعلن للشرعية كغطاء لخلق مليشيات متمردة في الجنوب والغرب، وفرض العوائق لبسط الشرعية سلطتها على المناطق المحررة من الحوثي، لصالح تمكين المليشيات التي تتبع الإمارات بغطاء من السعودية.

 على المدى البعيد، فإن الحكومة في ليبيا، كانت أكثر فهماً لمستقبل العلاقة مع السعودية والإمارات، ولذا رفضت ليبيا من البداية الخضوع لإملاءات أبوظبي والتماهي مع إغراءات الرياض، وصمدت أمام جحافل المليشيا، وبدأت بالبحث عن بدائل معقولة لدعمها، وهو وضع أفضل مما يحدث في اليمن، حيث قبلت الشرعية أن تكون غطاءً لأجندات التحالف العربي الذي أدخل اليمن في أتون حرب لا أفق لها، وبدل أن يستعيد صنعاء أضاع معها عدن، وهو ما يفرض على اليمنيين تغيير حالة الارتهان الكلي، وفرض معادلة جديدة مبنية على الندية وعدم تجاوز "السيادة الوطنية".


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك