عن اعتقال الرويشان..!

منذ خمس سنوات ظل خالد الرويشان، وزير الثقافة اليمني الأسبق، في صنعاء، ويكاد يكون الشخصيّة اليمنية الوحيدة التي صمدت في العاصمة محتفظة بموقفها المناهض لجماعة الحوثي ومعبرة عن هذا الموقف بشكل علني وواضح.

هناك مثقفون كثير ما يزالون يقطنون العاصمة؛ لكنهم يتحاشون نقد سلطة الأمر الواقع، وهذا ما جعل الرويشان حالة فارقة بالنسبة لكل مناهضي المليشيا والساكنين في مناطق سيطرتها. بدا نموذج الرويشان غريبًا وهو يمارس حريته في التعبير عن مواقفه في حين أن الجميع جبُنوا أو أجبروا على الصمت للحفاظ على حياتهم.

وبدلًا من أن يكون نموذج الرويشان هو الحالة الطبيعية للإنسان المدني وحقوقه السياسية وفي مقدمتها حرية التعبير عن الرأي، أصبح الرجل هو الحالة الشاذة والمثيرة للتساؤلات، هكذا انقلبت معايير الناس في الحكم على السلوكيات الطبيعية وغير الطبيعية وظل الجميع يستفهم: لماذا لم يعتقل الحوثي خالد الرويشان، وكأن الطبيعي في ظل سيطرة المليشيا هو أن يُعتقل كل شخص يمارس حقه في التعبير عن موقفه، أي أن قمع حرية الناس صارت هي الأساس وأي حالة تبقى في منأى عن سلطة القمع هي حالة غامضة تستدعي وجود تفسير يشرح سبب بقاء إنسان خارج دائرة الاستهداف الحوثي.

في الحقيقة، لم يكن الرويشان مطلق الحرية في صنعاء، صحيح أنه كان يعبر عن مواقفه المناهضة للمليشيا؛ لكنه كان يفعل ذلك وهو محاصر بخوف دائم، وقد حدث أكثر من مرة أن الرجل اضطر لحذف بعض منشوراته إذا ما تجاوزت الحد المتاح للنقد، ما يعني أولًا أن حرية الرجل في التعبير عن مواقفه كانت محصورة بمستوى معين، وهذا لا يعني أن هناك مستويات نقد مكفولة للجميع تحت سلطة المليشيا، لكن هذه حالة كانت مقصورة على الرويشان بالنظر لمجموعة أسباب منحته هذا الاستثناء الحذر والمقيد.

أما التفسير الوحيد لبقاء الرويشان يمتلك مساحة للقول، فهو عائد لأسباب مؤقتة تتمثل في عدم رغبة الجماعة الحوثية بإثارة حفيظة قبيلة الرجل"خولان" كونها أحد الخزانات البشرية التي ترفد جبهات القتال الحوثية، لجانب أن الرويشان يتمتع بعلاقات طيبة مع كثير من رموز قبيلته وله مكانته الإجتماعية والثقافية في منطقته، ما جعل الحوثي يتقبل هذه المساومة المؤقتة فهو من جهة لم يكن يرغب بالدخول في مواجهة مبكرة مع القبيلة أو يدفعها للإحتجاج ضده، أو لنقل لم يكن متفرغًا لهذا الأمر.. ما جعله يغض الطرف عن الرجل مؤقتًا، لكنه بالطبع لم يكن راضيًّا عن الرجل ولم يستبعده من دائرة الاستهداف وظل هدفًا مؤجلًا له حتى قرر أخيرًا اعتقاله، ولابد أن الحوثي قد شعر بأنه تأخر كثيرًا عن القيام بهذا الفعل.

إن كان هناك من فكرة يمكن توضيحها في هذا المقام فهو أن الحوثي في إدارته للعلاقات القبلية والإجتماعية كان دائمًا ما يبدأ سلوكه بالتعبير عن احترامه للأعراف والمواضعات القائمة في القبيلة وبالتدريج يحاول التغلغل في عمق القبيلة وتجييرها لصالح حروبه ثم حين يشعر بأنه تمكن من إحكام قبضته عليها ينتقل لمرحلة ثانية تتمثل في هتك كل مقامات القبيلة واستخدام كل وسائل القمع لإسكات أي اعتراض ضد سياساتها ولو كان اعتراضاً حول أمور تفصيلية صغيرة تتعلق بالعلاقات القبلية الداخلية وتراتيبيتها القيادية والتزاماتها العامة بحماية أبنائها.

فالحوثي لا يضع أي اعتبار لأي عرف إجتماعي يرى أنه يمنح الرموز القبلية إمتيازاً وسلطة داخلية رمزية على حساب سلطة المليشيا وهيمنتها الشاملة، وأي إحترام شكلي يبديه الحوثي تجاه أعراف القبيلة فهو دائماً ما يكون احتراماً مؤقتاً سرعان ما يتجاوزه الحوثي ليفرض عنفه المطلق على الجميع. فالحوثي لا يعقد اتفاقية إلا تمهيداً لنقضها ولا يحترم عرفًا إلا ليهتكه لاحقًا حينما يقرر هو وفي التوقيت الذي يختاره مزاجه.

الخلاصة: ما من شيء مفاجئ في حادثة اعتقال الرويشان، وما من درس جديد سوى أن الحوثي تخلص من أخر خيط احترام شكلي كان يبديه تجاه أعراف قبيلة معينة، وعدم المساس بشخصية تحظى بحماية واحترام داخل القبيلة، ولم يكن ذلك مبدأ حوثي ثابت بقدر ما هو تكتيك عابر، وطيلة الفترة الماضية بلغ التوتر أقصاه بين أجنحة السلطة المليشاوية بين من ينادي بوقف الرجل عن الكتابة ومن يحاول المناورة والإبقاء عليه كنموذج معارض تسوِّق به الجماعة نفسها بأنها سلطة تتصرف بروح ديمقراطية وتحترم الحريات؛ لكنها لم تستطع الصبر حتى النهاية وأعلنت أخيرًا قيامها بغزو منزل الرويشان واعتقاله فجراً ويا لها من بطولة إجرامية حقيرة وتافهة، في مواجهة مثقف أعزل ليس له سوى هاتفه وكلمته.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك