لماذا يدلل غريفث الحوثي؟!

على امتداد تأريخ عملهم، لم يغادر مندوب أممي مهمته إلا وثمة تململ شعبي من أدائه، هناك دائمًا نقطة سوداء أو دائرة حمراء يُوضع فيها كل مبعوث سلام في أي بلد يرسل إليه واليمن نموذج لهذه البلدان التي نالت قسطها من ألاعيب رسل السلام الأمميين.

هذه الريبة الشعبية لم تأتِ من فراغ وليست دائمًا غير مبررة، فهناك ما يمنح شكوكية الناس إزاء المندوبين الدوليين مصداقية تبررها سلوكيات هؤلاء الأشخاص.

وحينما يتعلق الأمر بغريفيث، فإن هذا الإحساس الجمعي لدى الجمهور اليمني تجاه الرجل بدأ باكرًا، فنحن أمام مندوب سلام يشتغل بطريقة مريبة منذ البداية، يدلل المليشيا ويعنِّف الشرعية، يغض طرفه عن تصعيد الجماعات الخارجة عن القانون ويملأ الدنيا صراخًا حين تتحرك قوات الحكومة.. ينجح بعقد اتفاق نظري ويرفض الاعتراف بفشله حين يخفق في تطبيقه.. يدرك جيّدا من هي الأطراف المعرقلة للإتفاق ويتحرج من تسميتها وربما يتعمد ذلك لحاجة في نفسه.

هكذا يجتهد الرجل لانتزاع نجاح شخصي ولو على حساب القضية، فهو يسعى لعقد اتفاقيات قسرية؛ ليقدم نفسه كمبعوث أنجح من سابقيه في تحقيق اختراقات بالقضية اليمنية، لكنه يفتقد لشجاعة البت في مآلات الاتفاق ويتركها معلقة دونما حسم ثم يواصل مناوراته ليوهم المجتمع الدولي أن شيئاً ما يحدث ويمهد للسلام حتى لو كان الواقع ينفي كل هذه الأوهام التي يسوقها الرجل. ولعل أخد إحاطة قدمها غريفيثت أمام مجلس الأمن وحديثه عن أجواء تمهيدية جيدة للسلام هو آخر التمويهات التي يسوقها الرجل كل مرة بلغة مغايرة.

وإذا ما تساءل المرء، لماذا يفعل المندوب الدولي كل هذا، فالإجابة المركزية هنا تتجاوز شخص الرجل نحو مشكلة كبرى يتحرك بها العقل الدولي ويدركها غريفثت ويشتغل وفقًا لهذا المحدد الثابت لدى الدول الكبرى.

المشكلة إذًا، تعود لاستراتيجية ثابتة لدى المجتمع الدولي وهو أنه يحرص دومًا على الحفاظ على الأقليات في أي بلاد عربية ليستخدمها كفزاعة بطريقة أو بأخرى لابتزاز الأغلبية في أي بلد، وبهذا نشاهد دومًا كيف أن المجتمع الدولي يثور لو تعرض مواطن واحد من أي أقلية لاضطهاد بينما يصمت عن اضطهاد الأكثرية من قبل حكام مستبدين أو حتى من قبل أقلية عنيفة تمكنت من السيطرة على مصالح الأغلبية وتقويض إرادتهم بقوة السلاح، وفي هذه الحالة أكثر ما يمكن للمجتمع الدولي فعله هو التعبير عن قلقه والدعوة لمحادثات سلام.

ففي هذه الحالة حين تتمكن أقليه من اضطهاد الأكثرية يتعرض المجتمع الدولي للحرج، فهو لا يستطيع تأييد هذه الأقلية علنيًا لأن سلوكها يتناقض مع المبادئ الأساسية للمجتمع الدولي بخصوص أي حكم انقلابي ذو طبيعة مليشاوية تقوم به أقلية، وفي نفس الوقت لا يملك هذا المجتمع الدولي مصداقية فعلية تنتصر لمبادئه في تأييد الأكثرية بشكل مطلق وحاسم، مع أن هذه الأكثرية تملك المشروعية القانونية وفقًا لمبادئ النظام الدولي نفسه.

لهذا تبدو مواقف المجتمع الدولي متذبذبة ما بين تأييد علني لطرف الأكثرية ومناهضة شكلية للأقلية، وفي داخل هذه الحالة المتذبذبة، يصادق العالم على بعث مندوب دولي لإدارة هذه الحالة السائلة، ويواصل مهمته في البحث عن أي فرصة يطرح فيها حلول سلمية تبدو في غالبيتها مساواة بين أقلية مستبدة وأغلبية مضطهدة، وبهذا السلوك المخاتل يسعى المجتمع الدولي لتأسيس نوع من التوازن الهش تُمنح فيه الأقلية أكبر من وزنها وبهذا يكون قد تمكن من تثبيتها وقطع الطريق أمام أي حل عادل يقوم على أسس سليمة تعود فيه الأقلية لحجمها الطبيعي ويؤسس لدولة حقيقة تضمن سلامًا مستداما في المستقبل.

انطلاقًا من هذا، فنحن أمام مجتمع دولي متناقض مع نفسه، عالم يعاني من أزمة عميقة وواقع في صراع بين المبادئ المعلنة التي تلزمه بسلوك سياسي نزيه وشفاف، وبين رغبته بإدارة الأمور بشكل يمكِّنه من تحقيق مصالحه واستثمار الأقلية لتمرير أجندته السياسية على أي نظام مستقبلي.

الخلاصة هي أن طريقة غريفيثت في التعامل مع الحوثيين وتدليلهم ما هي إلا إحدى تجليات هذا النظام العالمي المختل.

وهو نظام بحاجة لإصلاح ضروري وعاجل في طبيعة تعاطيه مع قضايا المنطقة والتوقف عن أسلوب الإستثمار في مشاكل الشعوب، وما القضية اليمنية ومواقفه المخاتلة منها سوى نموذح للتعاملات الرخوة والمتلاعبة تجاه مآسي الشعوب المفتوحة في المنطقة منذ سنوات.

وبالعودة للخلف قليلا، يمكننا القول إن الزلزال السياسي والإجتماعي الذي حدث في مطلع العقد الحالي بمنطقة الشرق الأوسط كان بمثابة الضربة التي أسقطت قناع المجتمع الدولي وعرت هشاشته، وما هذه الأعراض المرضية التي نشاهدها في ألاعيب مندوبي السلام، سوى مؤشرات واضحة تكشف عمق الخلل القيمي في المؤسسات الدولية الضابطة للسلام العالمي. فهي ليست مؤسسات للدفاع عن إرادة الشعوب والانتصار لقضاياها العادلة بقدر ما هي لعبة لإدارة الأزمات بشكل لا يجتث مسبباتها ولا يضمن مستقبلا شفافًا للشعوب كما أن سلوك العالم لا يكشف عن أي إلتزام قيمي فعلي تقوم به المؤسسات الدولية وفقًا للمبادئ الناظمة لها والقيم التي تدعي حراستها والدفاع عنها.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك