حين كانت أوروبا عنصرية!

في ثلاثينيات القرن الماضي اُلتقطت صورة في تلال ألمانيا وتحديدا في مدينة نورمبيرغ، لرجل أربعيني وامرأة تبدو في العقد الثامن من عمرها، في الصورة ظهر هتلر قويا وحازما وبجانبه إليزابيث شقيقة الفيلسوف الألماني نيتشه، كانت هذه الصورة بعد وفاة نيتشه بأكثر من ثلاثة عقود.

في ذلك اللقاء قالت إليزابيث: ليس لدي أدنى شك في أن الفوهرر تقصد "هتلر" هو السوبر مان الذي تنبأ به زرادشت، وهي الرواية التي كتبها نيتشه.

من الطبيعي جدا أن تكون إليزابيث وريث نيتشه في أعماله، لقد عاش نيتشه في محيط نسائي، بجوار أمه وأخته وجدته وعمتيه غير المتزوجتين وخادمة المنزل.

هذا المحيط النسائي لم يساعد على استقرار نيتشه كما ساعد بعد ذلك بعقود الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الذي قال إننا نكون دائما بخير إذا كنا محاطين بالنساء والزهور.

لقد عثر هتلر في نيتشه على الفيلسوف الذي غذى كل أفكاره ومشاعره وآرائه تجاه العالم. اندهش هتلر بكل ما كتبه هذا الفيلسوف. ولو كان قُدر لنيتشه أن يلتقي هتلر لرأى أنه الرجل الذي خرج من كتبه إلى الحقيقة، وتحول بطل الورق والخيال إلى أمر واقع.

أطلق عليه نيتشه إنسان السوبر مان أو الإنسان الأسمى بحسب بعض الترجمات. المقولات الأخرى حول هذا الموضوع تقول لقد أنجبت فلسفة نيتشه شخصيّة هتلر، مثلما أنجبت فلسفة ميكافيللي على الجانب الآخر شخصية موسوليني، دكتاتور إيطاليا وحليف هتلر في الحرب العالمية الثانية.

نيتشه لا يعترف إلا بالإنسان القوي، قيم الحضارة الغربية بالنسبة له هي قيم الإنسان الضعيف، لماذا العدل ولماذا المساواة ولماذا نرحم الضعيف أو نُعين المحتاج وفاقد الحيلة ؟.. الحياة في نظر نيتشه لا يجب أن تلتفت لغير الإنسان القوي القادر على تطويع كل الإمكانات خدمة لفرادة هذا الإنسان، هذا الإنسان وحده من يُملي شروط المستقبل.

أفكار نيتشه هذه آتية من الإيمان باختلاف الأجناس والقدرات والأعراق. فكرة الاختلاط بأعراق أدنى أسوأ ما يمكن أن يحدث في نظر نيتشه.

لكن هذه لم تكن أفكار نيتشه وحده، علماء أوروبيون غذوا هذه النزعة لدى الإنسان الأوروبي، نزعة التفوق واعتباره الإنسان الأول. هناك أفكار كثيرة استندت على مبدأ التفوق بين الأجناس.

لماذا نعتقد أن نيتشه وحده من كان ينظر إلى تفوق عرق دون أعراق أخرى، لقد كان أفلاطون وأرسطو يقسمان البشر إلى يوناني وبربري.. كل ما عدا اليوناني فهو بربري، لم تكن العلاقة بينهما علاقة المتحضر بغير المتحضر، بل قالا إن العلاقة بينهما علاقة عداء بالفطرة دون النظر في الظروف التاريخية.

صموئيل باكر في كتاب له قال، أرجو أن يرى الإنجليز الميالون إلى السود قلب القارة الإفريقية كما رأيتُ، وعند ذلك ستخلو قلوبهم من الميل إلى أولئك الأقوام.

يعتقد باكر أن الإنسان الإفريقي لا يعرف ما معنى عرفان الجميل أو الشفقة أو الحب، محور صفاتهم النفسية تدور حول الطمع ونكران المعروف والأنانية والقسوة، وجميعها لا تتعدى أكثر من كونها صفات حيوانية.

يدلل بعض علماء الاجتماع على أفكارهم هذا بكون الأفريقي لا زال قريب عهد بوحشية الإنسان الأولى، بل إن بعضهم لا يختلف عن ذلك الإنسان القديم إلا قليلا.

في نظر هؤلاء يجب أن تتخلى أوروبا عن فكرة تمدين الأمم الأخرى، لأنها أمم دنيئة، باعتبار أن أخلاق وروح هذه الأمم لا يمكن أن تكون عظيمة، كما هي روح الإنسان في أوروبا وأمريكا والإغريق والرومان وغيرها من الشعوب.

تسجل المذكرات التي كتبها "ب. سلفادو" أثناء زيارته إلى أستراليا، بأن هناك غابات تعيش فيها مخلوقات أقرب إلى العجماوات منها إلى الإنسان، تقتتل وتتذابح ليأكل بعضها بعضا، وتنبش قبور موتاها ولو بعد ثلاثة أيام من الدفن لتتغذى عليها.

هذا ما حدا ببعض علماء الاجتماع، منهم غوستاف لوبون إلى اعتبار غابات أستراليا مكانا جيدا لدراسة الإنسان في أطواره البدائية، خاليا وبعيدا عن أي لمسة حضارية أو مدنية، ودون أن تلمس أي فروق في مشاعره وحياته عن ذلك الحيوان الذي عاش إلى جواره منذ آلاف السنين، قبل أن يضع الإنسان أولى خطواته في طريق الحضارة.

كانت هذه الأفكار هي رد على كل ما كتبه مفكرون آخرون أوروبيون كمفكري عصر النهضة أمثال جان جاك روسو، وغير أوروبيين من أن الإنسان في طبيعته كان خيرا منذ القدم تماما كالطفل، ولم تفسده إلا النظم الإنسانية المتتالية والدهور والتغيرات التي طرأت عليه وأزالت عنه قشرة الخير، وراكمت بداخله روح الشر وحولته تدريجيا عبر مراحل طويلة وموغلة في القدم إلى التوحش الذي رأيناه عليه اليوم أو في القرون الماضية.



* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك