متلازمة "نبذ القيم في المجتمع اليمني"

لدى الكثير من اليمنيين، وخصوصا النخب، السياسية، الثقافية والاجتماعية، متلازمة عدم القبول بالشخص الجيد والمحتفظ بذاته قيمًا ومبدأ.


المعتد بنفسه، وبإنسانيته، وكرامته يصفه الشعبويون بالمغرور، وذاك توصيف يقود مباشرةً الى النبذ، أما النخب فتتحذلق قليلاً، وتعتقد أنه "شايف نفسه ومش مرن" وبالتالي لا يصلح أن يوَلى شيئا في الحياة العامة.


هذه الظاهرة مردها باعتقادي الى سببين: - الأول متعلق بأقلمة العامة من قبل السلطة، على كل ما هو مخالف للفطرة، ونقيض للمنطق والقيم، وفق منهج (نظام التفاهة) هذا التشويه الذي مُورس على القيم والمثل ولد لدى العامة انكسارات وتشوهات نفسية وروحية، حتى باتت تلفظ كل ما هو جميل وحي، بعكس ما يفعل البحر مثلاً وفق قانون الطبيعة.

- الأمر الثاني متعلق "بالسلطة نفسها" ككيان مادي ومعنوي والتي عادة ما تقرب منها أناساً محدودي الفهم ومعدومي الضمير، ومنزوعي القيم، وقليلي الحيلة، على اعتبار أنه يسهل السيطرة عليهم، وتوجيههم، بما يسهم في تشويه قيم المجتمع ومروءته.

وبالتالي يصبح التشوه سائداً ومتحكمًا، ومع الوقت ثقافة صلبة وموروثا متعاقبا، وما دون ذلك منغص للواقع ومقلق لتوازنه واستقراره الهش، وبالتالي لا بد من الخلاص منه ونبذه وعادة ما يتم قتل الفضيلة بتشارك السلطة والعامة الذين أصبحوا يداً للسلطة التي تجلد وتجتث كل ما هو جميل.

ولعل أبرز مثال على ممارسة السلطة لهذه الطريقة الممنهجة، نظام صالح الذي أجاد ترسيخ تلك القيم المشوهة، فكان يوصّفُ السارق والفاسد بأنه "أحمر عين" بينما تعتبر النزيه المتعفف عن الحرام والمال العام فهو "سربوت ما ينفعش".

الإشكالية اليوم تكمن في تواتر "نظام التفاهة" الذي استمر بعد صالح، فالواقع اليوم يعج بعشرات "الصوالح"، وما من سبيل لتغيير هذا الوقع باعتقادي سوى السلطة التي يمكن من خلالها وعبرها فقط، إعادة هيكلة النظام الثقافي للمجتمع بما يقتضي الانتصار لمنطق الأشياء وفطرة التعامل.


من دون التغيير، من وعبر السلطة، سيستمر الانحطاط والعودة إلى الخلف وقد نرى ما هو أسوأ من الحوثيين - وهم أكثر سوءً في تاريخ البشرية الحديث - سلطة حاكمة أما الجيد النادر سينتهي ويختفي وهو يحاول الاحتفاظ بقدره وفطرته ومنطقه.


وفي الأخير كان عرب الجاهلية إذا ما أرادوا توبيخ أحد عن دناءة يقولون له "ويحك ألم تنهك مروءتك عن هذه السوءة"
فأين المروءة اليوم؟
أو بالأحرى هل فاق تخلفنا عصر الجاهلية ؟!


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك