الرئيس "المضغوط" والنخبة الفاشلة

كلما حدثت نكسة سياسية جديدة للشرعية، يخرج علينا مجموعة من الموظفين البؤساء، بائعي الوهم، المشتغلين بأجرهم اليومي في صفوف الشرعية، يحاولون ترقيع الفضائح المتكررة، بالحديث السامج عن القيود المفروضة على الشرعية، والضغوط الدائمة من قبل الحلفاء على رئيس الدولة، وعليه فليس من المنطق تحميل الشرعية والرئيس مسؤولية ما يحدث دون مراعاة الظروف المحيطة به.

هذه النغمة التبريرية المتكررة، تكشف خفة الوعي السياسي لدى هذا الصنف من الناس، فالحديث عن الضغوط يكاد يكون تبرئة للمسؤول من واجباته، والعجز الذاتي عن إدارة الشأن العام يجد مخرجًا له بالحديث عن إكراهات حلفاء الخارج ومصادرتهم لصلاحية المسؤولين اليمنيين، من أكبر مسؤول في الدولة وحتى مدير قسم شرطة. 


قبل الحديث عن الضغوط، يجدر بنا الحديث عن عدم أهلية المسؤولين لهذه المواقع التي يتقلدونها، قبل التساؤل عن ماهية الضغوط، هناك سؤال أسبق وهو كيف وصلت النخبة السياسية لهذا المستوى من الاستلاب، كيف سمحت لحلفائها أن يجردوها من فاعليتها ويصادرون صلاحيتها بهذا الشكل الفاضح، ألا يكشف هذا خللًا ذاتيًّا قبل أن نحيل الأمر لضغط خارجي تسبب في عطالتهم..ألا يعكس الأمر فقدان ساستنا لأي رؤية يفرضونها على حلفائهم منذ البداية وبما يضمن لهم حلفًا منضبطًا في سلوكياته ومتحالف موفور الكرامة وكامل الصلاحية.

وقبل كل هذا وذاك، لا أدري ما هو تعريف السياسة لدى أصحاب هذا المنطق، هل هي التبرير للفشل، أم تحمل مسؤولية المهمة مهما كانت الظروف. ثم ما الذي يتبقى من مفهوم العمل السياسي، إذا كان المسؤول عاجزاً عن انتزاع صلاحيته والدفاع عنها بل وفرضها بقوة المنطق الشرعي الذي يحمله، كممثل لهذه البلاد..؟

السياسة يا هؤلاء، وفي أبسط تجلياتها هي القدرة على المناورة في أشد المراحل الحرجة، السياسة هي خلق البدائل الممكنة والتمرد على كل الظروف القاهرة ثم تفعيل أدوات العمل المتوفرة بأقصى طاقة ممكنة لدى المسؤولين، هذا المفهوم المختزل والمبسط هو ما يتوجب أن يكون معيارًا لنا لمحاكمة الساسة أمام كل حدث، ومساءلتهم ما الذي صنعوه لتفادي حدوثه، بدلًا من المسارعة لتخليصهم من واجباتهم بإحالة المشكلة لظرف خارجي لا قدرة لهم على مدافعته، فيما هم لم يصنعوا شئيًا لمنع حدوثه.


نحن أمام أكبر عملية تزييف لحقيقة النخبة السياسية الفاشلة في البلاد، مجموعة من المسؤولين المصابين بعطالة ذاتية فاضحة، وليس فيهم أدنى مواصفات رجال الدولة في اللحظات الاستثنائية من تأريخ الشعوب.

بل إن كل واحد منهم يستشعر عجزه جيداً، وبدلاً من أن يعترف بهذا العجز أو يسعى للتخلص منه، إذا به يجند مجموعة من الدراويش الجاهزين لترقيع وجوه الساسة، وعند كل فضيحة، نصادف أفواهاً تعيد اجترار ذات التبرير دون أن تحترم ذاتها أو تستشعر سذاجة هذا المنطق التبربري الميت.

توقفوا عن ترديد التفاهات التضليلية، وقد فقدت قدرتها على إقناع الناس، وتحملوا مسؤولياتكم بشجاعة القادة الذين يحترمون أنفسهم، كاشفوا الناس بما يجري، حدثوهم عن كل ما يحدث لكم في الغرف المغلقة، أو قدموا استقالتكم أمام العالم بشرف، وسوف يتدبر الناس في الداخل طرقهم للخلاص من هذا المأزق.

مهما بلغ الوضع درجة من الانسداد التأريخي، ثمة دائما طرق للمناورة وصناعة شيء يفتح دروباً جديدة للخلاص، بدلاً من الاستمرار في هذه المتاهة المفتوحة، تلعبون دورًا يرقى لدرجة الخيانة الوطنية، يتمثل في بقائكم صامتين أمام كل ما يحدث في بلادكم من عبث متواصل وتجريف لكل مكتسبات هذا الشعب وثرواته ومعه ضياع كامل لمصير الدولة الواحدة والممكنة.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك