إنسان القرن الحادي والعشرين

ألقى عالم النفس الألماني "إريك فروم" في عام 1961 محاضرة باللغة الإسبانية في "نيو ميكسيكو" العاصمة المكسيكية.. كان "إريك فروم" يشرح في ذلك الوقت وقبل نحو ستين عاماً المشكلات النفسية لإنسان القرن العشرين.

قال في تلك المحاضرة: إن إنسان القرن العشرين قد تشيأ وأصبح "شيئاً". لقد غادر مربع كونه إنساناً ليدخل في مربع كونه شيئاً من الأشياء التي تمتلك وتباع وتشترى، وهذا الإنسان أبرز معاناته تتلخص في القلق، فلا إيمان لديه، ولا قناعة، وقليل القدرة على الحب، يهرب إلى الانشغال الفارغ، إدمان الكحول، الانغماس المتطرف في الجنس، ولذلك تظهر عليه كل الأمراض النفسية الجسدية.

كانت الصناعة الاقتصادية والتكنولوجيا المتطورة على حساب القيم الإنسانية هي ما تقف خلف مخاوف "إريك فروم" أو ملاحظاته حول إنسان القرن الذي عاش فيه.
لكن ماذا لو أن "فروم" عاش حتى عشرينيات القرن الحادي والعشرين.

لقد ازداد القلق أكثر، ازداد الشعور باللا جدوى، لقد دخل الإنسان عصر الاكتئاب والآلة، ويبدو أن الجيل الذي ينشأ حاليا خلف الشاشات المتنوعة، شاشات التلفاز والأفلام والتلفونات ومواقع التواصل الاجتماعي التي تزدادا يوميا قد ينقض تماما الفكرة الأزلية بأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، لأن العلاقات الاجتماعية أصبحت شبه مفقودة لدى أبناء هذا الجيل.

الأزمات التي تحدث عنها "فروم" تضاعفت أكثر، والبلدان المتقدمة التي كانت قد وصلت بالمفاهيم الإنسانية إلى مراتب عليا تنحدر الآن، وكأن القرن السابق هو الزمن الأخير الذي كان يشهد الصعود الإنساني إلى أعلى مراتبه.

الإنسان الآن ينحدر من ذلك الجبل نحو الهاوية مرة أخرى، نحو الأماكن السحيقة ونحو المنحنى الساقط، ولا نعرف من خلال تتبع التاريخ الإنساني كم مرة انحدر الإنسان أو مات تماما على المستوى القيمي والإنساني، لكن في هذا العصر وهو على خلاف كل العصور السابقة نستطيع القول: إن الإنسان قد تحول إلى آلة ولا قيمة منفردة له دون النظر إلى حياته الصناعية أو الاستهلاكية.

لقد كان هذا الإنسان هو نتاج صناعة الرأسمالية وغياب مفاهيم الإنسان التي تم التأسيس لها منذ أكثر من أربعة قرون، لكنه الآن يتهاوى ويفقد أهم خصائصه ليكون شبيهاً للآلة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك