الحركة الإسلامية والنظام .. من التحالف إلى التنافس (الحلقة الرابعة)، نظام ما بعد الوحدة.. الشراكة والخصائص والانفراد بالسلطة

 

نواصل هذا الأسبوع نشر كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس" لمؤلفه الأستاذ ناصر الطويل.
وفي هذه الحلقة التي تعد الرابعة ننشر الجزء الثاني من المبحث الثاني من الفصل الأول، وقد كنا الجمعة الماضية نشرنا جزءاً من المبحث الثاني ، الذي تناول فيه المؤلف النظام السياسي في الشطرين ومكاسب الرئيس من تحالفه مع الإخوان.
 
وفي الجزء الثاني من المبحث الثاني ، يتحدث المؤلف عن تطور النظام بعد الوحدة  ،وأبرز ما حدث بعد الوحدة ، واتساع الصلاحيات الدستورية لمنصب رئيس الجمهورية وعن المناصب العسكرية ، وعن خصائص النظام السياسي ، واختلال التوازن بين مؤسسات الدولة.
 
 
 
 
جـ) تطور النظام بعد الوحدة :
 
مر النظام السياسي بعد الوحدة بمرحلتين متميزتين, الأولى اتسمت بالشراكة السياسية بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي أثناء الفترة الانتقالية (1990ـ1993م), وتميزت الفترة الثانية بتفرد الرئيس "على عبد الله صالح" بالسلطة.
 
 1ـ الشراكة بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي:
 
استند النظام السياسي للجمهورية اليمنية إلى دستور دولة الوحدة, والذي تم إقراره من السلطتين التشريعيتين في الشطرين، وهو نفس الدستور الذي تم التوقيع عليه من قبل الرئيسين عبد الرحمن الإرياني وسالم ربيع علي "سالمين" في طرابلس إثر الحرب الشطرية الأولى عام 1972م, وقد استكملت صياغته عام 1982م.
 
كما استند تنظيم الفترة الانتقالية إلى اتفاقية الوحدة التي حددت مدتها, وشكل المؤسسات السياسية للنظام السياسي الجديد.
 
تشكل النظام السياسي لدولة الوحدة من سلطة تشريعية, مثلها "مجلس النواب", وتكون من اندماج مجلس الشورى الذي كان يمثل السلطة التشريعية في الشمال, ومجلس الشعب الأعلى الذي كان يمثل السلطة ذاتها في الجنوب, إضافة إلى ثلاثين عضواً تم إضافتهم لتمثيل بقية القوى السياسية التي لم يكن لها وجود كبير في المؤسستين السابقتين, وتولى رئاسته ياسين سعيد نعمان (اشتراكي), وسلطة قضائية، وفرعين للسلطة التنفيذية: أحدهما الحكومة التي أسندت رئاستها إلى حيدر أبو بكر العطاس (اشتراكي), ومجلس للرئاسة تشكل من علي عبدالله صالح رئيسًا، وعلى سالم البيض نائبا للرئيس, وعضوية كل من عبد الكريم العرشي, وعبدالعزيز عبدالغني، وسالم صالح محمد, أما بقية المؤسسات الرسمية والأهلية في كل من الشطرين, فقد تم دمج كل منها مع ما يناظرها في الشطر الآخر، باستثناء عدد من المؤسسات, أهمها المؤسسة العسكرية والأمنية, والبنك المركزي, الخ.
 
ومع أهمية حدث "إعادة تحقيق الوحدة" إلا أن إجراءات تحقيقها لم تخلُ من جدل, لاسيما ما يتعلق بسرعة تحقيقها من جهة وملاحظات بعض القوى السياسية حول دستور دولة الوحدة من جهة أخرى, وبرغم ذلك فإن وهجها غطى على ما عداه, وحين بدأت المشاعر المتفاعلة تهدأ، أخذت بعض التحديات التي يواجهها النظام السياسي الجديد في الظهور، وأغلبها كان مصدره طريقة بناء النظام السياسي والعلاقة بين طرفيه, ذلك أنه لم يتم بناء نظام جديد يتناسب مع عظمة الحدث وحجم التفاعل الشعبي معه, بقدر ما تم جمع حاصل النظامين السابقين في نظام واحد يقوم على أساس تقاسم السلطة, بدءاً من مجلس الرئاسة والحكومة, وانتهاءً ببقية مؤسسات الدولة صغيرها وكبيرها, بين ما عُرف بشريكي الوحدة, وعلى صيغة 50% للمؤتمر و50% للحزب الاشتراكي اليمني.
 
تضمن النظام السياسي الجديد بعض مظاهر التجديد وجوانب الثبات في آن واحد, فقد انفتح النظام على تعددية سياسية وحزبية جارفة, تجاوزت أحادية التنظيمين السياسيين السابقين: المؤتمر والاشتراكي, وحرية سياسية وإعلامية نسبية, انتعشت معها القوى السياسية والاجتماعية, وأضفيا على الحياة السياسية قدراً من الحراك السكاني والسياسي والاجتماعي المشوب بكثير من الأمل, وفي المقابل ظلت بنية السلطتين الحاكمتين في الشطرين (سابقاً) في إطار النظام الجديد دون تفكك أو اندماج, وما هي إلا فترة قصيرة حتى بدأ الخلاف بين شريكي الوحدة: المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي في البروز, حيث بدا أن كلاً من الطرفين السلطويين يفتقر إلى حسن النية والثقة بالآخر.
 
وفيما كان المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني يتفقان على صيغة للمشاركة في السلطة, بنسبة 50% و50% تقريبا، على الرغم من التفاوت السكاني 80% إلى 20%، كانت هاتان المؤسستان تعدان استراتيجيات تراجُع وخطط للطوارئ، وتحسبًا لتراجع متوقع, وسعى كل طرف إلى تعزيز قدراته العسكرية ولم يساهم إلا لفظيا في توحيد القوات المسلحة, وسعى كل طرف لتأمين دعم خارجي له(1).
 
ويبدو أن الطبيعة التسلطية المتغلغلة في بنية وفكر النظامين السابقين حالت دون تعايشهما، حيث تدهورت الثقة بينهما، وحرص كل طرف على الاحتفاظ بعناصر قوته, والسعي للحصول على المزيد منها، والاحتياط لمواجهة الطرف الآخر في يوم ما.
 
تسابق الطرفان للاستحواذ الشرعي وغير الشرعي على موارد وممتلكات الدولة, وتوظيفها لشراء ولاء الأعضاء, وتحقيق كسب سياسي بين الأفراد والقوى الاجتماعية والسياسية، وتعزيز ما يمتلكه كل طرف من قوة, بهدف تحقيق الأهداف التي يسعى إليها، فالرئيس ظل يخطط لاحتواء الاشتراكيين وإقصائهم عن أن يكونوا شركاء له في السلطة وصنع القرار.
 
إذ بنى الرئيس سياسته تجاه قيادات الحزب الاشتراكي على الإغداق عليهم بالأرصدة المالية والسيارات والمباني السكنية، ومحاولة خلق الصراعات والانشقاقات داخل الحزب، والتعويل على الانتخابات كآخر وسيلة لإزاحتهم عن أن يكونوا شركاء متناصفين معه في السلطة(2).
 
أما الحزب الاشتراكي فقد دخل الوحدة مدفوعاً بمخاوف من مصير مجهول في حالة عدم الموافقة عليها، وبنفس الوقت فقد شارك في قيامها وهو يأمل في أن يكون القوة الأساسية, خاصة وأنه يمتلك تنظيماً جيداً، ووسائل إعلام متمرسة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية وميليشيات شعبية مسيسة، كما كان يتوقع أن يحصل على دعم من الأفراد والقوى الاجتماعية والسياسية المتذمرة من حكم الرئيس علي عبد الله صالح في المحافظات الشمالية.
 
وفي المقابل, فإنه يواجه الرئيس في وضع شبه معزول، بعد أن حلت الجفوة بينه وبين الإخوان المسلمين وبعض الزعامات الاجتماعية, بسبب عدم اطلاع الرئيس لهم على إجراءات الوحدة، وانشغال الرئيس عنهم ببناء وتوثيق علاقاته بخصمهم التاريخي.
 
توسعت الهوة بين القوتين الأساسيتين في النظام السياسي، الحزب الاشتراكي، وسلطة الرئيس علي عبدالله صالح، وتحولت العلاقة بينهما إلى تنافس سياسي واستقطاب اجتماعي حاد، وترجم سوء العلاقة في تواتر اعتكاف نائب الرئيس- زعيم الحزب الاشتراكي -علي سالم البيض في كل من عدن وحضرموت، كصورة من صور الاحتجاج على طريقة إدارة الرئيس لشؤون الدولة.
 
وقد تكررت الأزمات خلال الفترة الانتقالية التي تم تمديدها إلى سنتين ونصف بدلا من سنتين فقط، مراعاة لمخاوف الحزب الاشتراكي من تأثير الانتخابات على وضعه في السلطة مستقبلا, ورغبته في تجنب ذلك, باتفاق سياسي يسبق الانتخابات ويحصنه ضد نتائجها أياً كانت.
 
ولا شك أن التقاسم للسلطة خلال المرحلة الانتقالية أسهم كثيرا في خلق ظروف مواتية لنشوء المنازعات والصراعات، وحدوث العديد من الممارسات السلبية, وتعطيل أداء كثير من مؤسسات الحكم وأجهزته، بسبب التنازع على الصلاحيات وعلى سلطة اتخاذ القرار فيها، الأمر الذي أدى إلى إضعاف هيبة الدولة(3).
 
وفي إطار التنافس بين الطرفين مد كلٌ منهما تحالفاته إلى أطراف سياسية واجتماعية أخرى, حيث بنى الحزب الاشتراكي تحالفات مع القوى السياسية والاجتماعية التي كانت على خصومة أو عداء مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح, من قبيل التنظيم الوحدوي الناصري، وحزب الحق, وحزب اتحاد القوى الشعبية، وعدد من القبائل غير الراضية عن طريقة الرئيس في إدارة السلطة وتوزيع الثروة, وعمل الحزب على تجميع القبائل المناوئة في مؤتمرات قبلية مناهضة لسياسات الرئيس, وبدوره عمد الرئيس إلى بناء تحالفات موازية، ورعى أنصاره مؤتمرات قبلية مضادة لتلك التي عقدت بإيعاز من الحزب الاشتراكي(4), وجمع حوله عدداً من الأحزاب السياسية ،ووثق علاقته بشكل أكبر مع القوى القريبة منه, وفي مقدمتها كبار شيوخ القبائل الموالين له، والإسلاميين ، فهؤلاء الأخيرين ورغم أن الجفاء كان يغلب على علاقتهم به أثناء انشغاله ببناء علاقاته مع الاشتراكيين, إلا أنه أبقى على خطوط الاتصال معهم مفتوحة, وذلك لتحقيق أكثر من غرض, فهو من جهة يخوِّف بهم الاشتراكيين, مما يجعلهم أكثر التصاقا به، ومن جهة يحتاط لتطورات علاقته مع الاشتراكيين مستقبلا.
 
جرت أول انتخابات نيابية في اليمن بتاريخ 27 أبريل 1993م, وأسفرت عن بروز قوة المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس, وحصوله على عدد يمكنه من التعامل مع الحزب الاشتراكي من موقع قوة, ليتمكن من زحزحته تدريجيا من مربع الشراكة, ولم تكن النتائج التي حصل عليها الحزب الاشتراكي محل رضاه، وشعرت قياداته أن ذلك مقدمة لإخراجه تدريجيًا من السلطة، وابتدأت معارضتها لتلك النتائج, ورفعت شعارات ومطالب من شأنها تجاوز نتائج الانتخابات، وظلت تنظر بقلق إلى سلوك الرئيس تجاهها, ونشبت أزمة جديدة، في الحياة السياسية اليمنية سببها المحوري نتائج انتخابات 1993م وعرضها موضوع التعديلات الدستورية, ارتفعت معها وتيرة الحملات الإعلامية بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي وسقف مطالب الحزب الاشتراكي إلى أن وصلت إلى المطالبة بالفدرالية, وتدخلت وساطات محلية وإقليمية ودولية. 
 
ورغم توصل لجنة الحوار الوطني إلى وثيقة العهد والاتفاق, والتي تضمنت إعادة بناء النظام السياسي اليمني بصورة جذرية, يفقد معها الرئيس كثيراً من سلطاته الدستورية إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث بسبب أن الطرفين الأساسيين لم يكونا جادين في الالتزام بها، حيث استخدمها الطرفان لكسب مزيد من الوقت لاستكمال الاستعدادات لحسم الخلاف عسكرياً, الأمر الذي أدى في النهاية إلى المواجهة المسلحة عام 1994م.
 
وأثناء الحرب الأهلية كان ارتكاز تحالف الحزب الاشتراكي خارجيا بدرجة أساسية, حيث عوَّل على تدخل ودعم دول مجلس التعاون الخليجي, وبشكل خاص, المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وجاءت تحالفاته الداخلية امتداداً لتحالفه الخارجي مع حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" بقيادة عبدالرحمن الجفري، وشخصيات يمنية أخرى معروفة بولائها للسعودية, مثل عبدالله الأصنج وعبد الرحمن البيضاني، وعدد من القبائل الموالية للحزب في المحافظات الشمالية من التجمعين القبليين الكبيرين, "بكيل" و"مذحج", غير أن تلك القبائل لم تتورط في القتال إلى جانب الاشتراكيين, ويبدو أن ذلك يعود إلى حرصها على الحفاظ على الوحدة, إذ بدا لها أن البديل لنظام الرئيس علي عبدالله صالح هو الانفصال أو الفوضى, أما الرئيس علي عبدالله صالح فقد ارتكزت تحالفاته للتعامل مع الأزمة والحرب على قوى داخلية أولا وخارجية ثانيا, حيث حشد الرئيس تحالفاً واسعاً من الأطراف السياسية والاجتماعية يقع في القلب منها التجمع اليمني للإصلاح بقدراته التنظيمية والسياسية والإعلامية والجماهيرية, وإلى جانبه القوى القبلية وبعض التنظيمات الإسلامية الجهادية.
 
ومع بوادر اندلاع الحرب, واتجاه الاشتراكي نحو الانفصال, قام التجمع اليمني للإصلاح بدور محوري في التعبئة الشعبية لصالح الوحدة، وشد من أزر الرئيس علي عبدالله صالح, وحفزه وبقية القيادات السياسية على الحفاظ على الوحدة حتى لو تطلب الأمر خوض مواجهة عسكرية مع قيادات الحزب الاشتراكي, وتشددت قيادة الحركة في مقاومة أي ضعف أو تردد لدى تلك القيادات حيال المحافظة على مكسب الوحدة(5)، كما ساهمت بقدر كبير في الأعمال القتالية(6), والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية, وتأمين التأييد الشعبي للمجهود الحربي، كما اجتهد علماء الإصلاح في إبراز المشروعية الدينية والأخلاقية للحرب, إلى جانب مشروعيتها القانونية.
 
وبتمكن القوات المسلحة والمتطوعين من الإسلاميين والقبليين من السيطرة على مدينتي عدن وحضرموت انتهى مشروع الانفصال، وبنفس الوقت مثل انفراجاً واسعًا لنظام الرئيس ، فقد تم تثبيت الوحدة وإحباط مخطط الانفصال, ليس هذا فحسب, وإنما تم أيضا إزاحة القوة السياسية التي كانت تشارك الرئيس وتزاحمه في مواقع السلطة واتخاذ القرار.
 
إخراج الحزب الاشتراكي من السلطة بقوة السلاح أنهى حالة التوازن السياسي التي اتسمت بها الفترة الانتقالية, وأعاد الحياة السياسية اليمنية إلى حكم الفرد الواحد، فقد تجمعت كل خيوط السلطة من جديد ـ وبشكل أقوى ـ بيد الرئيس, حيث تم إعادة هيكلة النظام السياسي بما يتواءم والتطورات السياسية الأخيرة, فقد تم إحلال ممثلين عن القيادات السياسية والعسكرية المحسوبة على جناح الرئيس علي ناصر محمد أثناء أحداث (13) يناير 1986م في الجنوب، والذين شاركوا في المعارك الحربية ضد القوات الانفصالية, في بعض المواقع التي كان يتواجد فيها الحزب الاشتراكي, وتم دمجهم كجزء من بنية النظام السياسي.
 
فيما تشكل ائتلاف حكومي بين حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح, ورغم التقارب بين الحزبين حول عدد كبير من القضايا, إلا أن الخلافات تسللت إلى الائتلاف، فقد كان الإصلاح يتذمر من محاولات تهميشه, والتعامل معه على أنه تابع وليس شريكاً, وسرعان ما ضاقت السلطة من الاعتراضات التي يبديها الإصلاح, وخططت مبكراً للحد من فوز أعضائه في الانتخابات النيابية الثانية, التي جرت في ابريل 1997م, فلم يحصل الإصلاح إلا على (53) مقعداً بصفة رسمية, و(11) مقعد بصفة غير رسمية. قبل الإصلاح نتائج الانتخابات, ورفض عرضا من الرئيس بالاستمرار في المشاركة في الحكومة، وتحول تدريجيا إلى مربع المعارضة.
 
2 ـ الإنفــــراد بالسلطة:
 
استمر نمو قوة نظام الرئيس علي عبدالله صالح، وأخذ شكل نظام الحكم من الناحية النظرية والدستورية يتجه نحو النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي، لاسيما مع إجراء التعديلات الثانية في الدستور في فبراير 2001م, والتي هدفت إلى منح رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية، أما من الناحية العملية فإن نظام الحكم في اليمن -كما هو في غيرها من الدول النامية- في جوهره هو نظام أكثر من رئاسي. ومنذ عام 2001م وحتى الآن استمرت قوة نظام الرئيس علي عبدالله صالح في النمو تصاعديًا في حالة أشبه ما تكون بكرة الثلج التي تستمر في التدحرج والنمو معًا, وامتدت هيمنة النظام لتشمل فضاءات اجتماعية وسياسية ومدنية جديدة.
 
" فمصادر القوة السياسية تراكمت لدى نظام الرئيس علي عبد الله صالح, وكلما تم له امتلاك مصدر من المصادر ساعده ذلك على امتلاك مصادر أخرى فالسيطرة على رئاسة السلطة التنفيذية مثل قوة أساسية لامتلاك القوة العسكرية من الناحية القانونية والفعلية, باعتبار رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويختار القادة العسكريين للجيش والشرطة والأمن, كما أن موقع رأس السلطة التنفيذية قد ساعد على استقطاب شيوخ القبائل, وبالتالي أضيفت قوة اجتماعية وشعبية لا يستهان بها ، وامتد هذا التأثير إلى كثير من النقابات والمنظمات الشعبية, وما يزال هذا التأثير والاستقطاب جاريان لإضافة قوة سياسية جديدة.
 
كما أن القوة الاقتصادية كركيزة تعتمد عليها القوة السياسية العليا في رأس الدولة قد تمت السيطرة على الجزء الرسمي منها, والمتمثل في وزارة المالية وميزانية الدولة, والجزء الآخر المتمثل في رجال الأعمال تم احتواء معظمه، وتم تنمية عناصر جديدة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات (وما بعدهما), كما أن القوى السياسية الحزبية قد تم استيعاب واستقطاب الكثير منها, وتشتيت جزء آخر ...، كما أن السيطرة على السلطة التنفيذية قد مكنت من السيطرة على وسائل الاتصال والإعلام"(7).
 
وفي المقابل انحدرت القوة التابعة للأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية الأخرى إلى الأسفل تدريجيا ، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مؤشر نتائج الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية، ومع أن نتائج الانتخابات- في الأغلب- لا تعكس حقيقة وحجم القوى السياسية, لاعتبارات عديدة تتعلق بمدى سلامة إجراءاتها ودرجة حيادية مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وأجهزتها الإدارية والإعلامية وإمكاناتها المالية والمادية، ومستوى التمايز بين الحزب الحاكم وجسم سلطة الدولة، ومع ذلك فإن تتبع خط سير نتائج الانتخابات, يقدم مؤشراً -على الأقل -إلى قدرة النظام الحاكم على حشد وتوظيف موارد الدولة وإمكاناتها لتحقيق أهدافه من العمليات الانتخابية, وبالمقابل مدى قدرة الأحزاب السياسية والحركات والتكوينات الاجتماعية على ممانعة السلطة وتقييد إرادتها.
 
وفي ظل هذه الظروف الموضوعية, اتجهت أبرز أحزاب المعارضة إلى إقامة تكتل سياسي يخفف من مستوى الاختلال في ميزان القوة, فقد أدى ضغط الواقع السياسي إلى تشكيل تكتل "أحزاب اللقاء المشترك", من تحالف أحزاب سياسية فاعلة, تتباين في توجهاتها الفكرية ومشاريعها السياسية، فقد توثقت صلات التحالف بين حزب التجمع اليمني للإصلاح, والحزب الاشتراكي اليمني, والتنظيم الوحدوي الناصري, وحزبي(الحق, واتحاد القوى الشعبية) القريبين من المذهب الزيدي, وذلك لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية, والحفاظ على الهامش الديمقراطي وإصلاح الآلية الانتخابية, والحد من الفساد.
 
ومنذ عام 2000م تقريبا حدث تحول في طبيعة التحديات التي يواجهها نظام الرئيس علي عبد الله صالح, حيث تراجعت المصادر الخارجية لتلك التحديات, بعد حسم قضايا الخلافات الحدودية مع كل من: سلطنة عُمان, واريتريا والمملكة العربية السعودية, وفي المقابل تصاعدت المخاطر الداخلية التي يواجهها نظام الرئيس, بسبب ارتفاع مستوى التنافس مع الحركة الإسلامية وأحزاب المعارضة, وانزلاق البلاد إلى حرب تكررت خمس مرات في محافظة صعدة, على إثر تمرد ما عرف بتنظيم الشباب المؤمن (الشيعي), وبسبب بروز حركات احتجاج اجتماعية وسياسية في المحافظات الجنوبية, امتزجت قضاياها المطلبية بشعارات انفصالية وطائفية عبرت عن مدى الاحتقان والانسداد السياسي الذي وصل إليه مزاج المواطنين في تلك المحافظات.
 
وحيال مصادر التهديد السابقة أعاد الرئيس تكييف وترتيب أجهزة النظام بما يجعله في حالة استعداد للتعامل معها, خاصة في ظل الاتجاه نحو توريث السلطة, فقد تم الاعتناء بالأجهزة المعنية بتوفير الحماية الأمنية للنظام, وتم إسناد القيادة فيها إلى الجيل الثاني من أسرة الرئيس, وتحديدا أبناءه وأبناء أخيه الأكبر محمد عبدالله صالح, فعمليا فإن معظم الأجهزة السابقة تدار من خلال من ذكرنا إما بشكل مباشر أو تحت إشراف آخرين.
 
كما تم إعادة هيكلة الأجهزة المعنية بتوفير الحشد والدعم الشعبي لسياسات ومواقف الرئيس, فعلى سبيل المثال: تم فك الارتباط بين النظام ومعظم الشخصيات التي قادت المؤتمر الشعبي العام في عقدي الثمانينيات والتسعينيات, وتم استبدالها بشخصيات جديدة وطامحة, وغالبا ما يتم النشاط السياسي في المؤتمر في إطار صيغة أشبه ما تكون بالمقايضة بين ذلك النشاط وبين حصول بعض تلك القيادات على منافع ومصالح شخصية أو أسرية, تحت الحماية والغطاء السياسي والقانوني الذي يقدمه الانتماء إلى حزب المؤتمر.
 
كما أن حزب المؤتمر الشعبي العام صار في وضع أكثر تحفزا وجاهزية للتنافس مع الآخرين, وبالمثل النقابات والمنظمات والجمعيات التابعة له, وفي الوقت ذاته فإن المؤسسة العسكرية صارت أكثر حضورا في التنافس مع القوى السياسية والاجتماعية, من خلال التوظيف الإعلامي, وحتى التهديد بالجوء إليها عندما تتأزم العلاقات مع بعض الأطراف السياسية والاجتماعية والشعبية, كما حدث مثلا أثناء الانتخابات الرئاسية أو عند تصاعد الأعمال الاحتجاجية في المحافظات الجنوبية, وبالمثل يتم توظيف الورقة الاجتماعية في مواجهة تلك المخاطر والتحديات وبالذات ما يتعلق منها بإمكانية توريث السلطة, فقد تم توسيع دائرة المصاهرة مع عدد من الأسر المشائخية النافذة, ودمج الأسر التي تم مصاهرتها مؤخرا في شبكة المصالح, وهذه الأخيرة تمثل خط الدفاع الأول وربما الأهم عن النظام.
 
ثانياً: خصائص النظام السياسي:
 
تميز نظام الرئيس علي عبدالله صالح بعدد من السمات والخصائص التي عكستها طبيعة هيكله وممارساته، ومن الطبيعي أن يحدث تغيير في السمات العامة للنظام السياسي بحسب درجة ما لحق به من تطور, وطبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتغير من حوله، وتؤثر وتتأثر به.
 
ودون شك, فإن الخصائص العامة للنظام السياسي تؤثر على طبيعة تعامله مع أطراف الحياة السياسية الداخلية والخارجية ، وهو ما يعني أن تلك السمات تنعكس بالضرورة على علاقته مع القوى السياسية الأخرى, تعاونًا أو تنافسًا أو صراعاً.
 
وبالنسبة للنظام السياسي اليمني الذي استمر الرئيس علي عبدالله صالح يقوده لأكثر من عقد قبل الوحدة, في إطار ما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، وأكثر من عقد ونصف (حتى الآن) في ظل دولة الوحدة، فإن سماته لا تختلف كثيرًا عن السمات العامة للنظم السياسية العربية الرسمية، وفي المقدمة منها محورية رئيس الدولة في الحياة السياسية وتأثيره الواسع في طبيعة واتجاه التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدولة والمجتمع، وإدارته شبه الاحتكارية للمؤسسات العسكرية والأمنية, وتفرده باتخاذ القرارات الهامة.
 
أولا : هيمنة شخص رئيس الجمهورية على سلطة جهاز الدولة:
 
يتمتع رئيس الجمهورية في النظام السياسي اليمني بصلاحيات دستورية واسعة, جعلت من منصبه الطرف الأكثر تأثيراً في الحياة العامة, أما من الناحية الواقعية فإن سلطات الرئيس تتجاوز بكثير الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور, وتمتد لتصل إلى كل شيء داخل نطاق الدولة، وتتجسد في سلطة الدولة ذاتها.
 
وكما هو حاصل في بقية المجتمعات العربية والإسلامية, فإن المتغير السياسي شديد التأثير في بقية المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها, بحكم أن السياسة هي التي تتحكم في تحديد الخيارات الاجتماعية والتوجهات الاقتصادية للدولة..الخ, وتلعب دورًا حاسمًا في توزيع السلطة والثروة, بما يجعل من المتغير السياسي متغيرًا مستقلاً يقود بقية المتغيرات المجتمعية، والثقل الأكبر داخل المتغير السياسي من نصيب النظام السياسي الذي عادة ما يحوز على معظم مصادر القوة, وبداخل هذا الأخير يتمتع رئيس الدولة ـ ملكاً كان أو رئيساً أو أميراً ـ بالتأثير الأكبر في تحديد توجهات الدولة وقراراتها الاعتيادية منها والمصيرية على حد سواء، وهكذا تختزل دوائر التأثير لتنتهي وتتوقف عند رئيس الدولة ، الذي يمارس هيمنة عالية على كل هيئات الدولة ومكونات المجتمع.
 
إن هيمنة رئيس الجمهورية في النظام السياسي لها صلة وثيقة بعلاقاته بالقوات المسلحة وأجهزة الأمن، واتساع سلطاته الدستورية والعملية، وتراكم خبراته، وضعف القيود التي تحد من تصرفه في مقدرات الدولة المالية والمادية والإعلامية.
 
1 ـ اتساع الصلاحيات الدستورية لمنصب رئيس الجمهورية:
 
جرت الدساتير العربية على عادة توسيع صلاحيات رئيس الدولة في النظم الجمهورية, بما يؤدي إلى اختلال التوازن بين السلطات السيادية ، ويجعل شخص رئيس الجمهورية مصدراً للقرارات والتوجهات السياسية, و محوراً للحياة العامة.
 
وبرغم ذلك فالتوجه الجديد في التعديلات الدستورية التي أجريت في العديد من الدول العربية مؤخراً, هو توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية, بإضافة اختصاصات أخرى إلى ما لديه من اختصاصات سابقة.
 
فالدستور اليمني أدخلت عليه تعديلات في فترات زمنية متقاربة, لم تتعدَّ سبع سنوات، التعديل الأول تم إقراره في عام 1994م، وفي فبراير 2001م تم إقرار التعديل الثاني, التعديلات التي أدخلت على الدستور في عام 1994م كانت لها أسباب تتصل بإزالة التناقض الذي كان موجوداً في الدستور, باعتبار أن صياغته تمت في فترة سابقة, وفي ظل ظروف وملابسات فترة التشطير, واختلاف التوجهات الفكرية والسياسية بين دولتي اليمن. وأيضا لاستيعاب التطورات السياسية التي ترتبت على حرب صيف عام 1994م, وفي مقدمتها انتهاء عملية التنازع على السلطة بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي وقيادتيهما, وحاجة البلاد إلى التغيير في شكل رئاسة الجمهورية, من مجلس للرئاسة إلى "رئيس للجمهورية ونائبه", إضافة إلى تأكيد هوية البلاد السياسية والفكرية، وتحديد طبيعة التوجهات الاقتصادية للدولة, وإزالة التعارض الذي تضمنه الدستور في هذين الجانبين.
 
أما التعديلات الدستورية التي أقرت في 20 فبراير 2001م فلا يمكن تفسيرها إلا في إطار رغبة السلطة في إعادة صياغة بعض مواد الدستور لتتوافق مع حقيقة الواقع, لاسيما ما يتعلق باختصاصات رئيس الجمهورية، فبرغم من أن دستور عام 1990م وتعديلاته عام 1994م ، تضمنا صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية جعلت النظام اليمني من الناحية الدستورية أقرب إلى النظام الرئاسي ، إلا أن صلاحيات الرئيس في الجوانب العملية كانت أكبر بكثير مما هي عليه في الصياغة الدستورية, ولهذا رغبت السلطة في إجراء تعديل الدستور لتحدث تقارب بين ما هو محدد في الدستور، وما هو قائم في الواقع العملي.
 
2ـ هيمنة الرئيس على المؤسستين العسكرية والأمنية:
 
تعد المؤسسة العسكرية أهم مؤسسات الدولة على الإطلاق, كونها وحدها الحائزة على أدوات القوة والإكراه في المجتمع، التي يستخدمها النظام السياسي لفرض إرادته على الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها، فضلاً عن أن المؤسسة العسكرية من الناحية التنظيمية هي أفضل التنظيمات الموجودة في المجتمع من ناحية الانضباط والتماسك الداخلي.
 
وقد لعب العسكريون أدوارًا سياسية مهمة في النظم السياسية للعديد من الدول النامية ، تتباين هذه الأدوار (الوظائف) من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي وقربه أو بعده عن الديمقراطية، ودرجة تطور الثقافة السياسية للمجتمع ، وبشكل عام فإن الدول النامية جميعها تقريبًا تشترك في اضطلاع المؤسسة العسكرية بدور في الحياة السياسية، وقد تعددت أشكال تدخل العسكريين في الحياة السياسية لتأخذ شكل التدخل المباشر من خلال الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري, أو الحكم بواجهات مدنية وحماية النظام من الخلف، أو من خلال تقديم المؤسسة العسكرية أهم عناصر النخبة الحاكمة, كما تقوم المؤسسة العسكرية في العديد من الدول النامية بدور الحامي للنخبة الحاكمة(8).
 
منذ قيام الثورة تعددت أشكال مشاركة الجيش في الحياة السياسية، فقد كان تنظيم الضباط الأحرار هو من قام بالثورة, وأوصل أحد كبار ضباط الجيش "المشير عبد الله السلال" إلى السلطة, وظل - إلى جانب الجيش المصري الموجود في اليمن ـ يدعم نظام حكمه حتى تم إقصاؤه بانقلاب نوفمبر 1967م, أما فترة حكم الرئيس عبدالرحمن الإرياني (1967ـ1974م), والتي غلب عليها الطابع المدني والكثير من سمات النظام البرلماني، فقد تراجع فيها نسبيا دور الجيش في الحياة السياسية, وفيما بعد ذلك فإن الحكم العسكري كان سمة النظام السياسي, لاسيما مع استلام الجيش للسلطة بعد استقالة الرئيس الإرياني في عام 1974م، حيث تولى السلطة في شمال اليمن مجلس قيادة برئاسة المقدم إبراهيم الحمدي, ومنذ ذلك الوقت اتسع الدور الذي يلعبه الجيش في النظام السياسي والحياة العامة في البلاد, فنظام الرئيسين: أحمد حسين الغشمي، وعلي عبد الله صالح مثل امتداداً لحركة 13 يونيو 1974م التصحيحية, التي نقلت السلطة من المدنيين إلى الجيش.
 
 كان تأثير المؤسسة العسكرية في إيصال الرئيس إلى السلطة واضحا وقويا, حيث تم اختياره في مقر القيادة العامة للجيش قبل ترشيحه وانتخابه من قبل مجلس الشعب التأسيسي (المعين), فالرئيس جاء إلى السلطة على أساس خلفيته العسكرية, إذ كان يتولى أحد المناصب القيادية " قائد لواء تعز", وهو الأمر الذي كان مطلوبا في ذلك الوقت, حيث أن احتمالات المواجهة المسلحة مع الجنوب ـ على أثر تورط نظامه في اغتيال الرئيس الغشمي ـ كانت شبه مؤكدة, وهو ما يقتضي بقاء السلطة بيد العسكر(9), وكان لبعض القيادات العسكرية من أقرباء الرئيس دور كبير في تأمين نقل السلطة إليه.
 
في بداية حكم الرئيس كانت بعض قطاعات الجيش لا تدين له بالولاء, حيث كانت الاتجاهات الفكرية, القومية واليسارية قد تغلغلت في أوساط بعض وحداته العسكرية, فيما كان عدد كبير من الضباط والجنود يدينون بالولاء "لكاريزمية" الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي وينفرون من القيادات التي جاءت من بعده.
 
وبعد ثلاثة أشهر من توليه السلطة, تورطت بعض الوحدات العسكرية في ترتيب انقلاب عسكري ضد الرئيس، فيما لم تبد عدد منها فاعلية في مواجهة العمل المسلح الذي تبناه فرع الحزب الاشتراكي في الشمال, أثناء أحداث ما عُرف بحرب المناطق الوسطى, فقد كان بعض عناصر الحملات العسكرية التي يرسلها الرئيس لمواجهة أعمال التمرد المسلح للتيار الماركسي تنحاز إلى العناصر المتمردة.
 
انصبت جهود الرئيس في إعادة بناء وتحديث القوات المسلحة وتزويدها بالأسلحة المناسبة, وإعادة ترتيب أوضاعها بحيث يكون في مأمن منها ويضمن ولاءها في ذات الوقت, ولذلك فقد أسند الرئيس المناصب العسكرية الهامة إلى الموثوق بهم من أقربائه، وتمكنت قيادة الجيش من إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية تدريجيًا وإلغاء كل الرموز الحزبية القومية في البنية العسكرية(10).
 
 كان الرئيس الحمدي قد أنشأ معسكر العمالقة كقوة عسكرية ضاربة في محافظة ذمار, مهمتها تأمين حماية النظام, وجعل على رأسها شقيقه عبدالله الحمدي, أما الرئيس علي عبدالله صالح فقد اعتمد في بداية حكمه على عدد من الوحدات العسكرية التي يقودها أقرباؤه وفي المقدمة منها الفرقة الأولى مدرع, التي ظلت وحتى اليوم تحت نفوذ "العميد على محسن الأحمر", قريب الرئيس, وأحد أهم أركان نظامه، والذي تولى ـ بواسطة الفرقة الأولى مدرع ـ إحباط الانقلاب الناصري الذي تعرض له الرئيس وظل حتى اليوم يقوم بدور محوري في مواجهة التحديات العسكرية والأمنية التي يواجهها النظام, إلا أن الرئيس اتجه بعد ذلك إلى بناء ورعاية وحدة عسكرية ضاربة أخرى, هي " قوات الحرس الجمهوري" التي تتولى تأمين دار الرئاسة، وتنقلات الرئيس، وجرى توسيع وتطوير تلك القوات وإنشاء وحدات إلى جانبها أطلق عليها "القوات الخاصة, والحرس الخاص", وجمعت كلها تحت قيادة واحدة أسندت إلى نجل الرئيس, أحمد على عبد الله, وقبلها كان قد تم تشكيل وحدات الأمن المركزي، وهي وحدات أمن شبه عسكرية تتمتع باستقلالية عن وزارة الداخلية، وتولى قيادتها "محمد عبدالله صالح" الشقيق الأكبر للرئيس علي عبدالله صالح, وبعد وفاته أُسندت من الناحية العملية إلى نجله الأكبر يحيى محمد عبد الله, برغم انه يشغل منصب أركان حرب الأمن المركزي, حيث يتمتع بنفوذ حقيقي يفوق سلطات قائد القوات العميد عبد الملك الطيب.
 
وإلى جانب الولاء والدعم الكبيرين اللذين يحصل عليهما الرئيس علي عبدالله صالح من المؤسسة العسكرية فإنه يحيط قيادات هذه المؤسسة برعاية مادية ومعنوية خاصة, ويفسرها البعض على أنها نوع من شراء ولاء هذه المؤسسة.
 
وقد قامت المؤسسة العسكرية بدور حاسم في دعم الرئيس في أوقات الأزمات التي واجهها، كما هو الحال أثناء الأزمة السياسية التي حدثت بعد الانتخابات النيابية عام 1993م، وانتهت بالحرب, حيث لعبت المؤسسة العسكرية دورا محوريا في حسم المعركة لصالح الحفاظ على الوحدة وتأمين نظام الرئيس علي عبدالله صالح على حد سواء, ونفس الدور تقريبا قامت به في مواجهة التمرد المسلح للتيار الشيعي في بعض مناطق محافظة صعدة بزعامة حسين بدر الدين الحوثي وقيادات تنظيم الشباب المؤمن.
 
 
 
3 ـ تراكم خبرة الرئيس:
 
تسلم المقدم علي عبدالله صالح مهام منصبه عام 1978م.. وكانت الملفات التي أمامه من الأهمية والخطورة والحساسية على كافة الأصعدة الداخلية والخارجية، في وقت كانت خبرته بالسلطة ووسائل الإدارة ومسار السياسات الداخلية ، وطبيعة العلاقات الخارجية قليلة, بسبب بعده عن مراكز القرار طوال الفترات السابقة وطبيعة عمله العسكري البحت, على عكس سلفيه الحمدي والغشمي, فالحمدي كان نائبًا لرئيس الوزراء، ثم نائبًا للقائد العام ومشرفًا على العمل التعاوني الأهلي، والغشمي ظل لأكثر من سنتين الرجل الثاني في سلطة الحمدي، فاكتسبا خبرة بشؤون الحكم والدولة قبل وصولهما لموقع الرئاسة(11), ولهذا فلم يكن أمام الرئيس صالح غير التعويل على ذكائه الفطري، ورغبته في المخاطرة ، وهما سمتان بارزتان في شخصيته أثرتا على أسلوب إدارته لدفة الحكم طوال الفترة الماضية، إلى جانب استعانته بعدد من أقربائه وبعض الشخصيات السياسية التي يثق بها, وبناء علاقات جيدة مع الشخصيات السياسية المؤثرة وعدد من المشائخ في مقدمتهم: الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, والشيخ مجاهد أبو شوارب, والشيخ أحمد على المطري, والشيخ سنان أبو لحوم, والعميد يحيى المتوكل.
 
وظل الرئيس يتكئ على علاقته بالحلفاء داخل الوطن وخارجه ، إلى أن تمكن من فهم تعقيدات الحياة السياسية والاجتماعية, وتطوير قدراته في التعامل معها, وبناء ديناميكيات نظامه.
 
 وفي السنوات الأولى لحكمه واجه الرئيس العديد من التحديات والمشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية ذات الطبيعة المعقدة, والتي لم تخف حدتها إلا في النصف الثاني من عقد الثمانينيات، وكل ذلك أكسب الرئيس خبرات واسعة وقدرة على العمل في ظروف تتسم بالضغط العصبي وارتفاع نسبة المخاطرة, وصقل مهاراته في إدارة الحياة السياسية اليمنية والتي يغلب عليها طابع الأزمة الممتدة, بفعل محدودية موارد البلاد الاقتصادية, واضطراب بيئتها الاجتماعية, وارتفاع مستوى التسييس والاستقطاب في حياتها العامة.   
 
   وبشكل عام, فإن فترة حكم الرئيس التي تزيد عن ثلاثين سنة تولد عنها خبرة هائلة في إدارة شئون الدولة والمجتمع, ومما سهل عليه ذلك أنه لم يكن مثقلا بمشروع سياسي أو اجتماعي, اللهم إلا الحفاظ على الاستقرار وتأمين نظام حكمه(12).
 
التأثير الشديد لشخص رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكم ترتب عليه بروز تأثير الجوانب الذاتية على طبيعة القرارات والمواقف التي يتخذها النظام، وإخراج المواقف بصيغة معينة تتأثر بطريقة الرئيس في اتخاذ القرارات, وهو ما سنتوقف عنده قليلا:
 
(أ) ـ تزايد تأثير الجوانب الذاتية:
 
الحضور الكبير لشخص رئيس الجمهورية في توجهات النظام وتحديد مواقفه من التطورات والأطراف السياسية الداخلية والخارجية، وسَّع من مساحة تأثير الجوانب الذاتية في تحديد مضمون تلك المواقف والقرارات, وهو ما يعرف "بشخصنة السلطة", على اعتبار أن الرئيس هو الفاعل الأول في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد, ومن هنا تنعكس الصفات الشخصية للرئيس على علاقته ومواقفه من الأطراف السياسية, وفقا لطبيعة الصورة التي يرسمها عن تلك الأطراف ودرجة تحديد تأثيرها على أوضاع البلاد والنظام على حد سواء.
 
ويشير عدد من الشخصيات التي تعاملت مع الرئيس علي عبدالله صالح إلى امتلاكه عدداً من الصفات الشخصية التي انعكست إيجابًا في تعامله مع الأطراف السياسية، ويبالغ البعض فيؤكد أنها من أهم الأسباب التي أبقت الرئيس في السلطة كل تلك المدة ، وفي المقدمة منها ذكاؤه الفطري، وتسامحه مع خصومه السياسيين, وعدم المبالغة في استخدام لغة القوة والعنف, وميله إلى لغة الحوار حتى وإن اقتضت تنازلات(13), إضافة إلى استيعابه لتعقيدات التركيبة الاجتماعية اليمنية وقدرته على بناء التحالفات في الأوقات المناسبة، ولجوئه إلى السياسات القائمة على التكتيك والاحتواء وبناء التوازنات, وتفضيله للخيارات ذات المستوى العالي من المخاطر, "ومقدرته الهائلة في استمالة أشخاص كانوا خصوما له وإدخالهم في إطار نظامه"(14).
 
 وفي المقابل تبرز صفات أخرى لا تساعد كثيرًا على بناء جسور العلاقة والثقة بين الرئيس وشركاء الحياة السياسية، ولعل أبرزها نفور الرئيس من قبول أطراف تشاركه السلطة, "فالرئيس قد يمنح طرفاً سياسياً معيناً مناصب, وربما مصالح مادية وسياسية لكنه لا يطيق التعامل مع أي قوة سياسية من باب الشراكة, حتى وإن كان ذلك الطرف بقوة وحجم الحزب الاشتراكي في الفترة الانتقالية, والذي ساهم في بناء الوحدة وكان يمتلك مقومات دولة"(15).
 
وتشكو قيادات الأحزاب السياسية من أن الرئيس لم يعد كما كان في السابق من حيث المرونة وسعة الصدر, والقدرة على التعامل مع المنافسين السياسيين بمرونة واستيعاب كامل، حيث بدى الرئيس انفراديًا في اتخاذ القرار، وأقل تسامحًا مع الأطراف السياسية, وأكثر انجذابًا لموقعه الحزبي في قيادة المؤتمر الشعبي العام عن موقعه في قيادة الدولة, وبخلاف ما كان عليه في السابق فإن الرئيس أخذ يتجه إلى تضييق دائرة المشاركة في صنع القرار حتى في إطار حزبه, فلم يعد يشرك إلا عدد محدود جدًا من المساعدين، والذين يغلب عليهم لون واحد وليس بإمكانهم أن يضيفوا إلى ما لديه.
 
ب ـ أسلوب اتخاذ القرار:
 
 يلزم الإشارة إلي أن دلالة اصطلاح صنع القرار في سياقها الغربي يختلف عن دلالتها في السياق للمجتمع العربي، فبينما تنطوي هذه العبارة في الغرب على أن عملية اتخاذ القرار تمثل "صيرورة معقدة يشارك فيها أكثر من طرف، وإن كان يعبر عنها في النهاية طرف واحد مسؤول تجوز مراجعته ومحاسبته, فإن دلالتها في السياق المجتمعي العربي تشير إلى النخبة الحاكمة أو السلطة الآمرة التي تستبد بالأمر، وتنأى عن المحاسبة أو المساءلة، وإن سمحت بالحد الأدنى منها، فإن ذلك ينصرف إلى شكليات قشرية، وفي داخل هذه النخبة الحاكمة تتركز سلطة اتخاذ القرار أو إصدار الأوامر في شخص واحد هو الملك أو الرئيس أو الحاكم"(16).
 
ولمعرفة كيف يتم اتخاذ القرار السياسي في فترة حكم الرئيس علي عبدالله صالح فإنه سيتم الاعتماد على المعايير التالية(17):
 
أ ـ قنوات المعلومات, وكيفية تعامل صانع القرار مع المعلومات التي تصل إليه.
 
ب ـ أسلوب صانع القرار في التعامل مع مستشاريه, ومدى استجابته أو عدم استجابته لهم.
 
ج ـ مدى التزام صانع القرار السياسي بالقواعد الإجرائية المنظمة لصنع القرار السياسي.
 
د ـ توقيت القرار، ويرتبط بهذه النقطة عمليتان مهمتان، وهما عملية تنفيذ القرار بمعنى هل يكون بشكل متدرج (خطوة / خطوة) أم بشكل مفاجئ، وعملية حماية القرار, بمعنى القدرة على استيعاب ردود الأفعال الناتجة عن اتخاذ قرارٍ ما بما لا يفرغ القرار من مضمونه أو يبعده عن الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.
 
(ا)   قنوات المعلومات وكيفية تعامل الرئيس معها:
 
اتسمت الأجهزة التي تزود رئيس الجمهورية بالمعلومات في السنوات الأولى من توليه بضعف الكفاءة, بفعل الضعف العام لمؤسسات الدولة, وغياب الاستقرار السياسي, ومع ذلك فقد كانت هذه الأجهزة تمد الرئيس ببعض المعلومات, لاسيما جهاز الأمن الوطني، والاستخبارات العسكرية، ووزارة الإعلام، ووزارة الخارجية، وبسبب عوامل شخصية ترتبط بالرئيس وأخرى اجتماعية جعلته أكثر ميلاً إلى أخذ المعلومات من مصادر غير رسمية بالتواصل المباشر مع الشخصيات المعنية دون الحاجة إلى الالتزام بالتدرج البيروقراطي, عند التقائه بالسياسيين أثناء جلسات المقيل التي يصحبها مضغ القات, وتبادل الحديث حول الأحوال السياسية أو معالجة قضايا طارئة.
 
ومع تطوير بعض المؤسسات وتشكيل مؤسسات جديدة أصبحت بعض الأجهزة ، مثل الجهاز الوطني للأمن السياسي, والاستخبارات العسكرية, ووزارة الإعلام, ووزارة الخارجية تمثل مصادر لبعض المعلومات, فيما استمر المصدر غير المباشر للرئيس يمثل المصدر الرئيسي, ويلاحظ على الأجهزة المعنية بتقديم المعلومات للرئاسة تفتقر إلى المهنية والكفاءة من جهة, والتنسيق والتكامل من جهة أخرى(18).
 
 أما فيما يتعلق بأسلوب تعامل الرئيس مع مستشاريه, ومدى استجابته لهم فيمكن التمييز بين مرحلتين:
 
الأولى : الفترة الأولى لتولي الرئيس الحكم, والتي تميزت بتدني خبرته, وعدم الاستقرار السياسي, وتعاظم المخاطر التي تحيط بالنظام، هذه المرحلة غلب عليها ميل الرئيس إلى توسيع دائرة الاستشارة, وأخذ وجهات نظر أكبر عدد ممكن مِن مَن حوله, لكن طبع الرئيس المبني على المغامرة يدفعه إلى مخالفة رأي مستشاريه وأعوانه في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال: استمر الرئيس يفاوض تنظيمات اليسار أثناء اشتعال الحرب في المناطق الوسطى، حول تشكيل حكومة يشارك فيها اليسار برغم اعتراض ومخاوف أقارب الرئيس وأعوانه.
 
الثانية : وهي المرحلة التي ميزت الفترة الممتدة من النصف الثاني من الثمانينيات وحتى الآن(2008م)، وهذه المرحلة تميزت بميل الرئيس إلى تثبيت النخبة التي تحيط به, حيث أصبح يعتمد على عدد من المستشارين, سواء كانوا يشغلون مناصب حكومية أم لا وهذه النخبة وإن ظلت ثابتة إلا أن الرئيس يتجاوز استشارتها إلى آخرين بحسب ما يحتاج الموضوع، و شهدت الفترة الأخيرة تقليص دائرة مستشاري الرئيس, حيث اقتصرت على عدد من الأفراد لا يتجاوز أصابع اليدين(19), وبخاصة بعد ترسيخ موقع نظامه وهيمنته على معظم مصادر القوة, بحسبان الأخيرة "امتلاك القدرة على صنع القرارات رغم معارضة الآخرين"(20), وتدني مخـاطر التحديات التي تحيط به, حـيث غدى الرئيس أكثر جـرأة عـلى اتخـاذ قرارات فردية دون أن يطـلب رأي مستشاريه.
 
وسنشير هنا إلى قرار الموافقة على ترسيم الحدود بين اليمن والمملكة العربية السعودية، وهو قرار يعكس هيمنة رئيس الجمهورية على<

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك